المركز الثقافي الإسباني في دمشق يحيي الشاعر الكوبي نيكولاس غيّين

زينب نبًّوه قرأها 5
  

أقام المركز الثقافي الإسباني الأسبوع الماضي أمسية شعرية للشاعر الكوبي نيكولاس غيّين، الممثل الأصيل للشعر الأسود في بلاده.

وقد قدم السيد كلاوديو راموس (سفير كوبا في دمشق) لمحة موجزة عن حياة الشاعر الذي ولد عام 1902 مع إعلان الجمهورية الكوبية التي كانت تابعة وشبه مستعمرة مفروضة من قبل قوات الاحتلال الأمريكية. وكان ذلك الإعلان خاتمة للهزيمة الشاملة التي منيت بها المطامع الإسبانية بالحفاظ على آخر مستعمراتها في القارة الأمريكية. وشكلت أيضاً تتويجاً للطموحات الكوبية بتأسيس دولة الاستقلال والسيادة.

كان نيكولاس غيّين الابن الأكبر لأسرة هجينة (خلاسية) تميزت مراحل طفولته بالاضطرابات والتهديد بتدخل عسكري أمريكي للبلاد. وفي عام 1912 حصل تمرد حزب الملونين الذي كان عبارة عن حرب أهلية ناتجة عن انقسامات عرقية عميقة امتدت لعدة محافظات، وفي شباط من عام 1917 قام الليبراليون بتمرد مسلح سمِّي بحرب الشامبيلونا (الخداع).

إنها بداية القرن التي رسم ملامحها في الشعر الكوبي الشاب الهجين (الخلاسي) من مدينة كماغوبي. يقول المؤرخ الكوبي إيلي إنترالغو: (الأبيض لا يعرض لماذا هو في كوبا، يمكن القول إنه جاء مصادفة، وأما الأسود فقد جُلب بالقوة. وهكذا عندما اختفى السكان الأصليون حمل المهجنون التمثيل الشرعي للشخصية الكوبية، وحتى أيضاً أبناء الإسبان، مثل كارلوس مانويل دي سيسيبيوس، وخوسيه مارتي اللذين قادا النضال من أجل الاستقلال والقومية الكوبية، وانضم الزنوج الذين حررهم أسيادهم إلى صفوف جيش التحرير، الهجناء الخلاسيون، وبلا شك كان الشيء الأكثر أصالة في عملية بلورة القومية الكوبية.

يقول السيد سفير كوبا: (إذا كان شعر القرن التاسع عشر الكوبي قد ابتدأ مع خوسيه ماريا إيريدا 1803 ـ 1939، واختتم مع خوسيه مارتي 1853 ـ 1859. فإن القرن العشرين ينتهي بالسيادة بلا منازع لنيكولاس غيين الذي دشن حقبة جديدة في الشعر الكوبي، ذي الأشكال المحددة والمعالم القومية التي لا لبس فيها شعر الصون (اللحن) الذي هو قطعة موسيقية كوبية، وهو اليوم يتمتع بشعبية كبيرة في العالم.

وقد ظهر يومئذ كنتاج فريد لهذا التلاقح الأفروكوبي، المنظوم للغناء والرقص، إن فضل غيّين كان اكتشافه إمكانات صوغ قصيدة كوبية في ذلك القالب الإيقاعي، قصيدة ذات جذور شعبية عميقة، زنجية وهجينة مستوحاة من الحياة اليومية للأزقة وبيوت الحارات في هافانا ثلاثينيات القرن الماضي، مستوحياً الثقافات الزنجية والهجينة والكوبية، يطور الشاعر نتاجاً شعرياً واسعاً، إذ إن التعاطف مع المواضيع الاجتماعية لا تمنع أيضاً من صوغ أشعار للحب وللأطفال ومواضيع أخرى متنوعة جداً.

يقول غيّين: (لا توجد قصيدة زنجية، توجد مساهمة رائعة من الإنسان الزنجي في القصيدة الإسبانية).

وفي ديوانه (جزر الهند الغربية) يتطرَّق غيّين إلى المواضيع الاجتماعية من منظور الدراما الأنتيليه التي هي في النهاية واقع كوبا بتبعيتها الاقتصادية والسياسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. والديوان هو نتيجة للتطور من وجهة النظر السياسية للشاعر الذي ارتبط منذ العام 1935 بالصحافة الشيوعية.

سافر غيّين إلى المكسيك عام 1937 وإلى العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، وشارك في العديد من المؤتمرات كان لها أكبر الأثر في التواصل مع فنانين كبار، ولاقت أشعاره تشجيعاً شعبياً. عام 1937 نشر في المكسيك ديوانه (أغان للجنود وألحان للسواح). منها:

لا أعرف لماذا تظن أنت ..

أيهاالجندي أنني أكرهك؟!

فكلانا نفس الشيء؟

أنا.. هو أنت!

بعد عودته إلى كوبا انضم إلى الحركة الثورية في أوج الحملة من أجل الدستور عام 1940. ومن أجل شرعية الحزب الشيوعي الكوبي في عام 1947 نشر في بوينوس آيريس ديوانه الصون (اللحن). وفي عام 1935 سافر الشاعر إلى تشيلي لحضور مؤتمر للكتاب، ولكنه عملياً أصبح منفياً بسبب رفض الديكتاتورية الحاكمة عودته.

غير أن العودة إلى الوطن أخيراً شكلت بالنسبة له عهداً جديداً في الإبداع الأدبي، ففي عام 1946 طبع كتابه (أملك) يؤكد فيه التزامه بالقضية الثورية.

عام 1956 شارك في المجلس العالمي للسلام في براغ وفي فيينا، ثم سافر إلى الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية. وقد شارك عام 1954 في مؤتمر السلام العالمي في استوكهولم ونال جائزة لينين عام 1958.

وأثناء وجوده في باريس عام 1959 انتصرت الثورة الكوبية فعاد على الفور إلى كوبا، وفي عام 1961  عُين غيّين رئيساً لاتحاد الكتاب واستمر في نشاطه في الحزب الشيوعي الكوبي.

كان نيقولاس غيّين مثال المثقف الملتزم، وهو تقليد في الأدب الكوبي، وقد ترسَّخ ذلك مع خوسيه مارتي. وعندما توفي عام 1989 ترك نتاجاً كاملاً للأجيال القادمة، نتاج بكوبيته، وأصدائه العالمية العميقة، رشحه لاحتلال موقع متميز من التراث الثقافي للإنسانية.


ملاحظة: جرى أثناء محاضرة السيد السفير إلقاء العديد من أشعار غيّين المسجلة بصوته شخصياً.

عن "النور"