الإنسان والقهر .. بين تاريخنا وحاضرنا

مازن كم الباز قرأها 6
  

في هذا الصخب الذي يمسخ مهاترات طائفية يتراجع الإنسان أمام المقدس الذي يقتحم تفاصيل حياتنا ورغم أننا أمام قضايا دنيوية بامتياز فإن حضور الإنساني فيها يتراجع أمام طغيان المقدس فإما أن نجد أنفسنا مضطرين لتحديد مواقفنا حسب المقدس بصيغته الطائفية التي تكتسب حالة قطعية خارج أو فوق إنسانية وبالتالي ندخل مأزق الحل أو أزمة الهدف والغاية التي يحددها خطاب طائفي مرتبط بقيادات تقليدية يعلنها فوق المساءلة مدعومة بمؤسسة دينية تحتكر التحدث باسم "المؤمنين" أي أعضاء الطائفة ويتحول الهدف إلى من يحكم بين أمراء الطوائف أو المحاصصة بينهم حسب توازن قوى الداخل والخارج أو أن نصبح خارج الطائفة مع ما يحمله هذا من مخاطر التكفير والخروج على الملة بصيغتها الطائفية الدوغمائية.. ما الذي يستحضر الحسين وعثمان إلى هذه الصراعات ليصبح الصراع طائفيا أو بمعنى من المعاني صورة عن أحداث الفتنة التي تدعي أبوَّة هذه الطوائف.. المصيبة التي تتكرر هي أن شخصنة المقدس تقودنا بعيدا عن أصل المقدس وتستوعب طاقته الانفعالية في حضور أشخاص كهؤلاء ليجري تغييب مقصود مرة أخرى لفحوى المقدس أو لجانب أصيل من هذا المقدس الذي يرفض ويدين هذا الاستخدام الدنيوي للمقدس.. بين عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان تباينات عميقة لا تتوقف عند المظهر.. بين (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار) و (أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة, نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا...) تناقض جوهري غير قابل للتأويل أو للمساومة.. نعم لم يكن المقدس مجرد أمر بالسمع و الطاعة العمياء أو استسلام للطغيان والتفاوت في المعاش والحقوق.. يجب هنا أن نضع قراءات المقدس في مواجهة بعضها البعض لنتبين حقيقة الفرق أو الخلاف بين القراءات التي تتجاوز حدود الطوائف (بل إنني أزعم أن القراءات الطائفية المتأخرة مثلت حالة متطابقة في المضمون متنازعة على الشكل).. فما لا يتحدث عنه شيوخ الطوائف ولا أمراؤها السياسيون في خطاباتهم الساخنة ضد الآخر ولغرض تعبئة الناس وراءهم أن عمر بن الخطاب رفض توريث الخلافة لابنه عبد الله بن عمر وهو ما هو عليه من ورع والتزام بشرع الله وهو الذي أقام حد الزنا على ابنه أبو شحمة فمات من يومه, هذا الكلام يستخدمه البعض أحيانا لخلب الألباب بعدالة الإسلام عدالة لحظة النشوء لكنه لا يرى فيه معيارا للعدالة المطلوبة أو أساس ممارسة الاجتماع البشري ليس ليكون شرعة بين الناس وشرعة يلزم بها أمراء الطوائف وكل أشكال الشيوخ أو المفتين أو المتعبدين..هذا يضعنا فورا في معارضة الطريقة التي تم بها تأمين بيعة يزيد بن معاوية والسيوف في نحور أربعة من أبناء الصحابة ناهيك عن المحرمات التي انتهكت أثناء الصراع لتثبيت الملك العضعوض من استباحة مدينة الرسول الكريم ثم قصف الكعبة بالمنجنيق فقتل وحبس وجلد أبناء الصحابة والتابعين ناهيك عن أعداد لا تحصى من "العامة" في تكريس لتسلط مؤسسة القهر الأمنية على المجتمع دون ضوابط أو حتى إدانة أخلاقية.. أبو بكر في خطاب تعيينه لم يضع منصبه أو شخصه فوق جماعة المسلمين ولم يساو تصرفاته بالشرع بل بقي الشرع عنده وعند جماعة المسلمين فوق المنصب بقي المرجع الذي تحاسبه الجماعة على أساس التزامه به وشرع هو وعمر الخروج بالسيف على الحاكم-الصحابي إذا لم يقم العدل و عندما قام الناس بذلك في عهد عثمان استحق الخارجون على الحاكم اللعن و التحريم و أصبح قميص عثمان تبريرا للطغيان و الاستهانة بالشرع وتمت التضحية بمحمد بن أبي بكر (أي إدانة الخارجين و لو على حاكم خرج عن الشرع والعدل كأساس للحكم وليس إدانة الحاكم مهما فعل) ليحمل وزر أحداث الفتنة مع ابن سبأ وإبليس لتكريس المنصب-الحاكم كمرجع للشرعية وخارج عن النقد أو المحاسبة فوق المجتمع وفوق إنساني..هنا سنرى أن الطائفة لا تقيم رؤيتها للمقدس استنادا على تراث وفعل الشيخين بل على فعل وتراث عثمان ومعاوية ثم سائر بني أمية وبني العباس كما أن الإمامية لا تقيم تفاصيل رؤيتها وفقا لتراث علي بن أبي طالب (الذي رفض توريث ابنه الحسن وأبقى الحق في اختيار الإمام حقا لجماعة المسلمين) بل وفق رؤية صيغت في وقت متأخر بناء على نزع الأنسنة عن الإمامة ووضعها في مركز المقدس.. لقد انتقل الزخم الانفعالي للمقدس إلى المنصب إلى الشخص الذي أصبح في حالة خارجة عن الشرع والنقد والمحاسبة وتم إيجاد الأعذار لكل الممارسات بل والجرائم والخروج عن نهج الرسول وسيرة الشيخين في تأسيس لرؤية للمقدس تعارض به العقل والإنسان وسيرة صحابة الرسول الأوائل.. تخرج هذه القراءة الصحابة من احتمالات الوقوع في الخطأ وبالتالي إمكانية النقد والمحاسبة و إدعاء عصمة هؤلاء هذه العصمة التي تنتقل آليا إلى شيوخ الطائفة ومن ثم إلى أمرائها وقادتها التقليديين الذين جرى تسميتهم وفق توزيع الإقطاعات من قبل العثمانيين على أهل المنطقة أما الإمامية فقد نقلت هذه العصمة إلى أن تكون حقا لفئة دون عامة المسلمين و انتقلت حسب الفهم والممارسة الدارجين إلى شيوخ الطائفة وهكذا أصبحت هذه المؤسسة الدينية والسياسية الطائفية التي جاء المقدس بغرض إضعافها ورفض أن تكون ضرورة للقيام بالملة أو واسطة بين الإنسان والسماء إلى أن أصبحت أساس المقدس وصاحبة قداسة مزعومة في مواجهة المجتمع في مواجهة العقل الإنساني في مواجهة النقد أو حتى مجرد التدخل الإنساني.. هكذا سيكون من الخطير على أي كان أن ينتقد (خاصة مع تصاعد حمى الطائفية) شيخا كالمفتي قبلان أو المفتي قباني أو بطريرك أو كاهن لأن هؤلاء وفق منطق الخطاب الطائفي هم ورثة تلك العصمة هم خارج الأنسنة والتاريخ ناهيك عن "زعماء" الطوائف: الحريري أو السنيورة (الذي يحلو للبعض مقارنته بعثمان) أو نصر الله أو الحكيم.. لقد سار الخطاب الطائفي بعيدا جدا عن بدايات ممارسة المؤسسة الدينية التي واجهت الخروج عن الشرع كأساس للمقدس (وليس الحاكم كما قال بذلك أبو بكر وعمر) بشجاعة منقطعة النظير فسقط رجال لا تأخذهم في الله لومة لائم رفضوا إغراء الدنيا وتهديد جلادي السلطان.. هنا أيضا يبتعد هؤلاء عن ممارسة أي دور في تحديد مضمون القراءات الطائفية للمقدس الطائفي: (لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم كيلا تحبط أعمالكم - التابعي سعيد بن المسيب الذي رفض تزويج بنته من ابن "الخليفة" عبد الملك بن مروان)، (عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الإنس شاهرا سيفه ؟. أبو ذر الغفاري الذي قال فيه الرسول الكريم: "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر".. الذي بشَّر الكانزين بمكاو من نار كما توعدهم الله تعالى وناقش معاوية والي الشام يومها في ما ادعاه أن آية كنز الأموال إنما نزلت في أهل الكتاب السابقين) –

(من المقابلة الأخيرة لسعيد بن جبير مع قاتله الحجاج..

الحجاج: شقيت أنت وشقيت أمك..

سعيد بن جبير: الغيب يعلمه الله..

الحجاج: ما رأيك فيَّ ؟..

سعيد بن جبير: ظالم تلقى الله بدماء المسلمين..

الحجاج: علي بالذهب والفضة..

سعيد بن جبير : ما هذا يا حجاج؟

إن كنت جمعتَه لتتقي به من غضب الله فنعماً صنعتَ وإن كنت جمعتَه من أموال الفقراء كبرا وعتوا فوالذي نفسي بيده الفزعة يوم العرض الأكبر تذهل كل مرضعة عما أرضعت..

الحجاج: لأبدلنك من الدنيا نارا تلظى..

سعيد: لو كان ذلك إليك لعبدتك دون الله..

الحجاج: أتضحك ؟..

سعيد: أضحك من حلم الله عليك وجرأتك على الله.........)...

إن هؤلاء يشكلون حسب القراءة الطائفية التسليمية جزءا من موروثنا العقائدي ولكن يجري إخراجهم من تاريخيتهم وتحويلهم إلى جزء من الطائفة التي تنتهي إلى نتائج تتناقض جذريا مع ما قالوه وذهبوا إليه والتزموا به وألزموا به السلطة والمؤسسة الدينية فأصبحوا في تناقض مع دورهم التاريخي ومذهبهم مذهب أبو بكر وعمر القائل بالشورى وإنسانية الحاكم وأولي الأمر أمام قدسية إقامة العدل والشرع في الناس..

تتطور الأفكار بعد ولادتها بشكل مستقل عن لحظة البداية وما أسهل ما تتحول دوغمائيات لا تقبل المناقشة وأدعي أن من حسن حظ إمام يحًكم العقل أولا في المنقول كالإمام أبو حنيفة أنه ظهر قبل أن يتوصل الجدل الديني المسيس لصالح السلطة وبقوة السلطة القهرية إلى إغلاق باب الجدل في النص وتهميش الدور المعلن للعقل الإنساني في مقاربة النص مقابل إنفاذ قراءة خاصة تسليمية تعذر القهر وتعالي السلطة تاريخيا على المجتمع وقيادات الطوائف علينا اليوم.. يومها كانت قراءة النص المقدس مفتوحة أمام الاجتهاد قبل أن يصبح مغلقا وتوضع "قواعد" للاجتهاد هي عبارة عن إعادة إنتاج الرؤية ذاتها وفتح باب المساءلة لأي كان يريد تطوير قراءة النص أبعد مما أعلنته وثيقة القادر العباسي في أوائل القرن الخامس الهجري الذي أعلن إغلاق باب الجدل ووصم أية محاولة للنظر في المقدس خارج الرؤية السائدة بالكفر, أصبح القول بمفهوم بسيط كخلق القرآن مجلبة للموت والتصفية فيم كان تبرير ظلم الحكام و خروجهم صباح مساء عن شرع الله و رسوله و سيرة الصحابة الأوائل في مركز الخطاب التسليمي التبريري التكفيري.. إن المحاولات المعاصرة لأشخاص كجمال البنا والترابي لتطوير الاجتهاد خارج شروط هذه الرؤية توصم بالخروج عن الملة أو الإنكار في أضعف الأحوال.. كان أبو حنيفة يحكم العقل وينكر الأحاديث الضعيفة واتخذ مواقفا إنسانية جريئة ورفض الانحناء أمام قمع السلطة ومحاولتها احتواء خطابه وشخصه.. فلو أنه ظهر بعد أيام القادر أو المتوكل لوجد نفسه في فريق الخارجين.. هنا أيضا يتمتع أبو حنيفة بالعصمة أو بذلك التأثير الانفعالي في رؤية الخطاب الطائفي بسبب انتمائه للطائفة لا بسبب اجتهاده أو مواقفه التي يجري تغييبها لصالح تكريس رؤية مخالفة لحقيقة مواقفه ومنهجه في الاجتهاد و مقاربة النص..

هذا الخطاب الطائفي التسليمي الذي يدعي مصادرة الحقيقة مغلقا باب الاجتهاد والنقد واضعا السلطة كمرجعية فوق المجتمع لا يتوقف عند قراءات المقدس ليشمل دعوات التغيير التي أنجبت أنظمة القهر الحالية أو معارضات تجد نفسها في مواجهة الطغيان بالإكراه لتتماهى معه في مواجهة المجتمع والإنسان..

إن مرجعيتنا في الانتصار للإنسان لا تحتاج إلى استدعاء معاصرين غربيين إنها في أساس تاريخنا في أساس قراءة المقدس الأولى إنهم من تستخدم أسماءهم وقودا للموت وخنق العقل واستلاب البلد و العباد..