ميخائيل باكونين يذهب إلى درعا

سألني بلكنة غريبة، أين هي درعا؟ صدمني لأول وهلة منظر جسده الهائل، و شعره الأشعث، كان الرجل يقف هناك، مترقبا، زائغ النظرات، وهو ينتظر جواباً على سؤاله، عندما وجدني متردداً أعاد السؤال من جديد، أخذ يكرر كلمة درعا، درعا، لعلي أفهم أخيرا ما يريد، - لكني أعرفك.. لقد رأيتك من قبل... لم يثر كلامي شهية هذا العجوز السائل للكلام عن نفسه، بل استمر يعيد كلمة درعا، درعا، لعلي أفهم أخيرا ما يريد...
– توقف... أظن أني رأيت صورتك من قبل، أعرف هذا الوجه... أنت ميخائيل باكونين!...
توقف العجوز أخيرا عن ترديد اسم درعا
– أنت باكونين، لقد رأيت صورتك في مكان ما...
ابتسم الرجل، قالت ابتسامته أنه باكونين بالفعل، فجأة دوى صوت الرصاص، انتفض العجوز الواقف أمامي، نظر صوب الجهة التي دوى منها صوت الرصاص.
- إيه يا رجل... هل هربت من جديد؟ هل غافلت الحراس مرة أخرى وأخذت حريتك معك على ظهر سفينة تذهب وراء الأفق؟ هل تبحث عنها من جديد؟ آه ايها العجوز..
ابتسم العجوز من جديد، لكنه لم يتلفت وراءه أبدا، أنصت بترقب، ينتظر سماع صوت الرصاص من جديد...
– ألا تمل أيها العجوز؟ هل ما زلت تبحث عن تك التي اسمها الحرية؟ ألم تنخر عظامك ليالي البرد القارس في سجون القيصر، ألم تكفيك سنوات النفي في ثلوج سيبريا؟ أي طينة من الرجال أنتم، سبارتاكوس، باكونين، الأفغاني، أبو ذر، أنتم يا من لا تنامون ولا تسمحون لنا بالنوم، ألا تنام أخيرا أيها العجوز؟!!
ضحك العجوز لأول مرة، تأكدت من أنه باكونين، كان فمه بلا أسنان، لقد سقطت وهو في باستيل روسيا في غرفة الحبس الانفرادي بسبب الجوع و سوء التغذية، لكن الرجل لا يرد، تأخذه كلمة الحرية إلى أماكن بعيدة، تحلق به بعيداً بعيداً وراء الأفق إلى بيت عزيز وأم حانية، لقد ذرع هذا العجوز أوروبا جيئة وذهاباً باحثاً عن ثورة، قاتل على كل المتاريس من ألمانيا إلى بلجيكا وفرنسا وإيطاليا، قاتل في كل مكان، لم يهدأ يوما وهو يبحث عن تلك المرأة التي سحره جمالها التي تسمى الحرية، وها هو يبحث عنها من جديد، ها هو يذرع هذا العالم جيئة وذهابا باحثا عنها..
– لقد تغير العالم يا باكونين، هناك بدل القيصر مائة، ألف، مليون قيصر...
– لقد سقط الاتحاد السوفيتي وأصبحت كلمة الحرية أشبه بالحشيش وأصبحنا نبحث عن أنفسنا كالتائهين بينما كان القيصر يرسل طائراته ودباباته إلى كل مكان وينهب آخر لقيمات في أجوافنا.....
فتح العجوز فمه أخيراً، تمتم من خلال ابتسامة حزينة قالت معها شفتاه:
– لقد قلت ذلك لماركس، قلت لماركس أنه لا يمكن أن....
فجأة صوت الرصاص من جديد، ينتفض العجوز مرة اخرى، يصيح:
– لقد بدؤوا من دوني، يجب أن أكون هناك، لا بد أن أذهب إلى هناك...
هذه المرة لم يسألني عن درعا، نظر صوب الجهة التي يطلق فيها الرصاص وبدأ جسده الهائل العجوز يسير نحوها مسرعاً وكأنه يلاحق الرصاص..
"أيها العجوز، ألا تأخذ شيئاً من الراحة فالطريق إلى درعا طويلة وهناك الكثير من الحواجز وأنت عجوز وحراس القيصر يطلبونك".. لكن الرجل لا يستمع إلي، يسير فقط، يطارد الرصاص، بدأ جسده الهائل يختفي وراء الأفق، أصبح صوت الرصاص عادياً، وأصبح يسمع في كل مكان وكان يتزايد بشراسة، أكثر بكثير مما كان عليه منذ برهة فقط...
اختلفت الأقاويل فيما جرى لباكونين بعد ذلك، قال البعض أنه قتل على حاجز للأمن أو للجيش في نوى، آخرون أكدوا أنهم رأوه في إزرع يحمل مصابا ويسير به إلى المشفى، أقسم آخرون أنه كان في جبلة بالأمس، هناك من شاهده في دوار الساعة يوم الجمعة الأخير...
باكونين الذي يُسجن فقط ليحطِّم قيوده ويخرج إلى النور من جديد، باكونين، أيها العاشق المسكين للحرية، يا سجين كل الزنازين وكل العصور، باكونين، يا طريد كل الكنائس و المعابد، يقتلك الرصاص فتولد من جديد، قتلوك في مرتفعات مورنماتر في باريس 1871 لكنك ولدت من جديد في بتروغراد عام 1917 وفي غولاي بالي قاتلت حتى الموت وفي كرونشتادت سقطت مضرّجاً بدمائك وفي ميونيخ قتلوك مع روزا لوكسمبورغ ولببكنخت، وفي هنغاريا 1956 داستك الدبابات وأنت ترفع علم مجالس العمال وفي جنوة كان اسمك كارلو جولياني، أنا أعرف جيداً اين أنت اليوم، أنا أعرف أنك اليوم في درعا، ونوى والصنمين والحراك وإزرع، أنا كنت هناك وشاهدتك، وأسمعك اليوم تنشد معنا نشيد الحرية.