خواطر في الدَّولة

مازن كم الباز قرأها 7
  

يستخدم الخطاب السياسي السائد مفهوم الدولة كثيرا هذه الأيام بمضمون يكاد يكون متطابق بين السلطة والمعارضة بل في أغلب مقاربات الخطابات السياسية والفكرية السائدة وذلك بمضمونه الإيجابي الذي يعتبر الدولة مركز الاجتماع البشري أي ضرورة لا مناص عنها.. هذه المقاربة التي تخرج الدولة من مجال التغيير المطلوب وتستحضرها إلى ساحة الجدل كحالة مرجعية مركزية يتهم الخارجين على السائد السياسي بتهديدها الذي يعني تهديد المجتمع بأسره تضع الدولة كمؤسسة خارج الجدل وحدود النقد والتغيير.. فبين استعادة السيادة والاستقلال لمؤسسة الدولة في لبنان أو بناء الدولة القادرة تحضر الدولة كمؤسسة حضوراً مركزيا في الجدل بل كمحور للصراع..

كانت الإمامة قضية محورية أيضا في الجهد الفكري الإسلامي والصراعات السياسية التي بدأت مع وفاة الرسول وصولا إلى أحداث الفتنة وقد انصب هذا الجدل على هوية الإمام أو صفاته, هذا باستثناء فرقة الخوارج التي تعد الفرقة التي مضت بضرورات النص المقدس إلى أقصى مدى دون مساومة فشككت في ضرورة الإمامة أصلا (حيث لا حكم إلا لله) وعند ضرورة الإمام جوزت أن يكون عبداً حبشياً أو نبطيا (أي من أسفل الهرم الطبقي القبلي) وألزمت الحاكم بإقامة الشرع والعدل الشيء الذي تساهلت فيه كل الفرق الأخرى حرصا منها على وحدة الجماعة والدولة.. قضية تكفير مرتكب الكبيرة أيضا جسدت قيام الخوارج بإلزام الناس بضرورات النص فيم شكل المرجئة (الذين أصبحوا فيم بعد جزءا من فرقة أهل السنة والجماعة) بداية عملية تقليم وتعديل قراءة النص لتصبح "واقعية قابلة للحياة" جزءا من حياة الناس اليومية لا تتناقض مع تفاصيلها من جانب وكمبرر لممارسات النظام في سبيل السلطة من جانب آخر لتصبح أساس بناء "جماعة المسلمين" في تمايزها عن الآخر وفي سلام مع القراءة السائدة للمقدس التي تأخذ ضرورات قيام واستمرار الجماعة أولا وتضع وحدة هذه الجماعة في مركز المرجعية الدينية وأساسا لتلك القراءة الخاصة الشعبوية والرسمية في آن للمقدس.. كانت الدولة ذات دور مركزي في إقامة الملة ووحدة جماعة المسلمين وفق الخطاب الديني السائد, الدولة التي لم يلزمها هذا الخطاب بإقامة العدل أو الشرع بقدر ما شرع مهامها القسرية تجاه الداخل والدفاعية تجاه الخارج..الفرق العقلانية كالمعتزلة أخرجت الجدل حول الإمامة من حالته التاريخية (أي بين الفرقاء المتصارعين بالاسم) إلى نطاقه المفهومي عندما اعتبروا كل الأطراف المتورطة في أحداث الفتنة في حالة حكم الفاسق لا على التعيين.. لم ينتصر المعتزلة أساسا (رغم أن بعضهم ذهب إلى تأييد هذا الطرف أو ذاك) لأي من الأطراف المتنازعة بل عدوا أفعالها جميعا خارجة عن المقبول شرعا.. ذهب المعتزلة إلى أن العقل يوجب الحسن والقبح لذلك كان الإمام عندهم دنيويا وليس ذا وظيفة دينية على عكس السنة والشيعة الإمامية الذين ذهبوا إلى أن العقل لا يوجب ولا بد من السماع والقيام بالإمامة إقامة للدين والملة.. كانت مركزية الإمامة في صلب سعي الفرق المعارضة لاكتساب الشرعية فدور الإمام في تفسير النص حسب الفكر الشيعي كانت في مركز خطاب الحركة الإسماعيلية فيم مثل الزيدية حالة اندماج بين الفعل الثوري المباشر للخوارج وعقلانية المعتزلة (الإمامة هنا تشترط الخروج على السلطان الجائر وهي لا تقوم بالنص أو التعيين بل إن أي فاطمي خارج على السلطان قائم بالشرع فهو إمام) في مواجهة تقية الإمامية وتأجيلهم الخروج على السلطان الجائر بانتظار رجعة الإمام المهدي المنتظر وجعلهم الإمامة في أولاد الحسين بالوصاية والنص في إخراج للإمامة من دائرة الأنسنة إلى مركز المقدس..هنا سنجد أن الفرق التي رفعت الإمامة فوق المجتمع وربطته بالمقدس (عكس الخوارج مثلا الذين رفضوا ربط الإمامة بالمقدس) هي التي تمكنت من البقاء وتحديد الوعي السائد في فترات الجمود التي مرت فيها أمتنا حيث أصبح التقليد أساس فعل المؤسسة الدينية.. الغريب في القضية هنا أن نجاح الفرق المعارضة في بناء مشروعها الخاص عن الدولة سيمر بمرحلة أولى تشكل نقيض فعل السلطة العباسية التي ثارت عليها لكنها ستخلق في وقت لاحق ذات الوحش السلطوي الذي ينظر باستهانة إلى الشعب وظروف حياته ويستثمر المجتمع لصالح النخبة الحاكمة..
هذا يذكرني بنهاية المشروع السوفييتي ويعيدني أبعد إلى تلك اللحظة التي افترق فيها ماركس وباكونين حدا بالأخير أن حذّر من قيام بيروقراطية حمراء قد تكون أسوأ نظام قهري ممكن لأنها تحكم باسم العدالة و الثورة باسم الجماهير.. اختلف باكونين وماركس على ضرورة الاحتفاظ بجهاز الدولة القمعي بعد انتصار الثورة المعادية للأوضاع القائمة فرأى فيها ماركس ضرورة للتغلب على مقاومة الطبقات السائدة فيم طالب باكونين بإزالتها فورا كجزء من حالة القهر للمجتمع.. انتصرت الماركسية في الحركة العمالية العالمية وتمكنت من تحويل مشروعها إلى واقع في الاتحاد السوفييتي.. هنا الدولة تحولت من جديد إلى غول يلتهم المجتمع باسم الثورة.. كان هناك تروتسكي الذي حاول الوقوف في وجه صعود البيروقراطية وفضح انقلابها على المشروع دون جدوى.. الجميل هنا أن هذه البيروقراطية في نسختها اليلتسينية والنزارباييفية والشيفاردنادزية هي التي ستجهز على المشروع برمته لكنها ستحتفظ بسيطرتها على المجتمع والدولة في فترة "التحول" بعد أن سرقت ثروة البلد في ليلة وضحاها..
هل هو النموذج الشرقي للإنتاج الذي يفترض مركزية فعل الدولة أم هي درجة التطور المجتمعي التي ما تزال قاصرة عن تحقيق الشروط المطلوبة للتحول إلى الديمقراطية أم هو فعل الخارج الذي يريد إبقائنا في حالة خضوع لمستبد يسهل التحكم به؟.. ما هي هذه اللعنة التي تحول كل رغباتنا إلى خلق وحش جديد يفترس المجتمع ويتمترس حول دولة تغيب المجتمع لحساب النخب الحاكمة.. لماذا رغم كل ما قيل عن التغيير في العراق وما جرى ترديده في مؤتمرات صلاح الدين وأربيل للمعارضة العراقية ثم في الحراك الذي تبع سقوط نظام صدام نرى أن كل هذه الرغبات المعلنة تنتهي إلى هذا الصراع الدموي الذي يجري حول أية طائفة (بل أية قيادات طائفية) ستحكم العراق هذا الصراع الذي لا يدور حول مستقبل أو حاضر العراق السياسي والاقتصادي الذي لا يخرج عن حالة الصراع التي جرت في أحداث الفتنة (ولو بفروق هامة) منذ تمكن معاوية من تحويل قميص عثمان إلى ملك عضعوض مطلق وضربت الكعبة واستبيحت طيبة (مدينة الرسول الكريم من جيوش الحجاج) في سبيل الحكم.. منذ أن قبل الفكر السائد في المؤسسة الدينية أن يمتنع عن مقاربة تصرفات الخليفة الثالث عثمان بشكل نقدي (رغم إقراره بخروجها عن نهج الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفتين أبو بكر وعمر) ورفضه توجيه أي نقد للحاكم مهما اقترف (كان ذلك يومها بحجة كونه من الصحابة المبشرين بالجنة) ولو أن قراءات أخرى, معاصرة وقديمة, للمقدس لم تشرع الخروج عن نهج الرسول الكريم وعن الشرع حتى للصحابة (أي قررت المقدس كمفهوم وعقيدة فوق شخصنة المقدس) وهي للأسف قراءات توصم بالخروج عن الملة أو بالإساءة للدين, الدين الذي يساوى بالقراءة التي لا تقبل مقاربة فعل الصحابة المنخرطين في أحداث الفتنة بشكل نقدي لا يرغب في أن يؤسس لنقد تاريخي بقدر ما يؤسس لرؤية مستقبلية تحاسب الحاكم بعد أن تعيده إنسانا و تبقيه ( في وضعية المجتهد دينيا على الأقل ) في دائرة احتمال الخطأ والمحاسبة والتغيير, تعيد المجتمع لدائرة الفعل بل في مركز دائرة الفعل..
هل لنا أمل في البراء من لعنة الطغيان؟..هل يمكن لمجتمعنا أن يصبح في دائرة الفعل؟..ألا يتطلب ذلك تقييد بيروقراطية الدولة وقوننة عملها (في أي نظام) بحيث لا تستولي على الفعل المجتمعي؟..ألا يعني هذا أنسنة الدولة الحاكم ومحاولة إعادة النماذج المختلفة من المستبدين (المتنور والعادل والمقاوم) إلى أرض الواقع وإخراجها من دائرة المقدس, ألا يعني هذا أن علينا أن نعيد صياغة كل أفكارنا (ليس الدينية وحدها بالتأكيد) لتقبل المجتمع كمركز للفعل والمحاسبة والتغيير؟..ألا يعني هذا أن علينا أن نقوم الدولة كمؤسسة (أنا لا أدعي الدعوة لإلغائها فهذا شرف لا أستطيع إدعائه) كمفهوم ضروري أولا ومن ثم مضمون علاقتها بالمجتمع والشعب والحراك اليومي.. إن الصراع الحالي في لبنان والعراق الذي يستعير المقدس ويضعه في مواجهة مقدس آخر ويعطي توصيفات القداسة لصراعات دنيوية (فلا الحكيم يمكن مقارنته بالحسين ولا السنيورة بعثمان أو حتى معاوية) يزيف الصراع ويعيده سيرته الأولى عندما قبل آباؤنا أن يتركوا للضباط في المؤسسة العسكرية أن يحددوا طريق توجه البلد وأن يشكلوا الأنظمة ويغيروها بحجة التطور والاستقلال أو الصمود, أي في صيغة تخرجها من دائرة النقد وتؤسس لحالة تغييب المجتمع وقهره التي تجثم على صدر مجتمعاتنا اليوم..