في العلمانية – راهناً وماضياً

مازن كم الباز قرأها 8
  

تكتب الأقلام الآن الكثير عن العلمانية التي ترى كجزء من منظومة فكرية سياسية لتشكيل حالة مناعة من الأفكار والممارسات الشمولية.. كجزء من تعديل أو تغيير الحالة الفكرية الجمعية خاصة وما يتبعها من حالة سياسية مرتبطة بها لتكون رافعة للديمقراطية لليبرالية بشكلها البرجوازي الغربي الذي يعتبر الهدف و الغاية للتغيير المنشود.. وهذا في استعارة للحظة تاريخية خاصة هي فترة صعود البرجوازية في أوروبا وصراعها مع الأرستقراطية وسلطة الكنيسة.. إن هذه النظرة التبسيطية والميكانيكية لدور المقدس الاجتماعي والسياسي لا تخدم العلمانية في شيء وهي في الممارسة تلجأ إلى القوى الإسلامية الفكرية والسياسية المهادنة أو المرتبطة ببيروقراطية الأنظمة في سعيها لإقصاء أو إضعاف نفوذ المقدس في الوعي الجمعي ومقاربة الجماهير للمشاريع والحلول المطروحة لأزمة مجتمعاتنا...

أريد هنا أن أنتقل إلى لحظة تاريخية مختلفة.. هي الحالة الفكرية والسياسية في المجتمع العربي الإسلامي في القرون الوسطى وذلك للوصول إلى فهم أفضل لعلاقة المقدس كتراث أو منهج تفكير وما يؤسس عليه من محاكمات وأطروحات سياسية بالتغيير وإمكانياته ..

كان محور الصراع الفكري في القرون الوسطى في الفكر العربي الإسلامي هو بين مدرستي العقل والنقل.. بدأ الصراع عملياً مع ظهور المعتزلة الذين كانوا أول من حاول عقلنة شكل مقاربة النص المقدس وعدَّلوا في قراءته بحيث يبدو أكثر اتساقاً مع ضرورات العقل.. لقد وقفوا على مسافة واحدة من قدسية النص ومن الاتكاء على العقل لكنهم كانوا من مهد الطريق أمام اتجاهات أكثر تبنيا للعقل كما نرى في الفلسفة المشائية التي أقامت رؤيتها للكون على أساس عقلي بحت مستمد من الفلسفة الإغريقية والحركة الإسماعيلية التي عدَّلت دلالات النص المقدس لتؤسِّس لخطابٍ أريد له أن يكون مدخلاً لتغيير فكري سياسي جذري شامل.. في الممارسة نرى أن المعتزلة قد امتطوا البنية السياسية القائمة ليفرضوا أفكارهم المستنيرة على المؤسسة الدينية وأصبحوا المذهب الرسمي للدولة العباسية لبعض الوقت.. إن هذه التيارات الفكرية التي تحمل سمات العقلانية لم تؤدِّ إلى تأسيس علاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم.. هذه العلاقة التي ستبقى طوال القرون الوسطى علاقة تبعية مطلقة خارج إطار الصراع الفكري المحتدم.. لم يعن ظهور هذه التيارات الفكرية العقلانية بشكل ميكانيكي تغييراً في شكل النظام السياسي أو علاقته بالمجتمع بل في الحالات التي أصبحت فيه هذه التيارات مقربة من الدولة – السلطة أو في موقع السلطة كان شكل هذا النظام لا يختلف عن السائد في القرون الوسطى إسلامياً.. أقامت الحركة الإسماعيلية على سبيل المثال الدولة الفاطمية التي انتهت إلى ظهور شخص كالحاكم بأمر الله الذي مثل التطرف في تطبيق إرادة الحاكم العمياء.. إن هذا لا يتعلق بخاصية عربية أو إسلامية أو شرقية معادية للديمقراطية بقدر ما يعني أن شكل النظام السياسي وارتباطه بالمقدس هو نتاج للحظة تاريخية اقتصادية اجتماعية معرفية خاصة ولا يمكن أن تفرض عليه نزعة إرادوية ذاتية ترغب في استنساخ سلبي للحظة مختلفة في رحم هذا الواقع.. بقيت تلك التيارات أو الدول التي أقامتها في إطار علاقات الإنتاج ذاتها مما عنى ببساطة استمرار صيغة النظام السياسي القروسطي الإقطاعي ولم تتعرض هذه الصيغة للمساءلة ومن ثم للتغيير حتى ظهور بوادر علاقات الإنتاج البرجوازية وما حملته من ضرورات جديدة للنمو وكسر الصيغة السابقة المعطلة لهذا النمو.. رأينا أيضاً ما جرى في دول أوروبا الشرقية من عودة النفوذ الديني وما شاهدناه في العراق من حالة مشابهة.. هذا كله ينفي إمكانية إصلاح ديني مستدعى لأغراض لا تعني الواقع المعاش أو التفاعل الجدلي بين الحالة المعرفية والصيغة السائدة للنظام السياسي.