معنى الديمقراطية في الصراع اليوم ومكانة الجماهير في أطروحات الديمقراطية السائدة

مازن كم الباز قرأها 5
  

الجميع يقر بحقيقة تخلف مجتمعاتنا خاصة أمام المجتمعات الغربية أي أمام الغرب الرأسمالي.. هذه حقيقة قاطعة بالتأكيد.. وهذه الحقيقة هي التي مثلت مصدر كل هذا الجدل والجهد لفهم حالة التخلف هذه وأسبابها التي جرى التعبير عنها في خطاب وفكر النهضة العربية الأولى وكانت المبرر وراء صعود المشروع القومي منذ أواسط القرن الماضي.. هذه الحقيقة هي أيضا التي تشكل المسوغ الأساسي لخطاب المركزية الأوروبية الذي يرى المخرج لمعضلة هذا التخلف الحضاري يكمن في نقطتين رئيسيتين هما أولاً دور الغرب المباشر في تطوير وتثوير حالتنا المتخلفة ويتماهى هذا الدور "التاريخي" المطلوب مع حالة تبني بالجملة لقيم و نتاج الغرب الثقافي والسياسي والاقتصادي أشبه بعملية استئصال وزرع عضو جديد..

هذا المخرج يبدو ضرورياً بالنسبة لأصحابه إن لم يكن المخرج الوحيد الممكن لتخلفنا عدا عن كونه حالة امتداد وانتشار منطقية للحضارة المتفوقة.. قضية الديمقراطية هنا قضية هامشية بالنسبة لمقاربة المركزية الأوروبية أمام الحضور الأساسي لقضية الفعل الحضاري.. هناك موقف مشابه تماماً و لوفي الاتجاه المعاكس يتبناه الخطاب الأصولي فهذا الخطاب أيضا يستند إلى مركزية قضية الفعل الحضاري في مقاربته لواقعنا "المتخلف" من جديد حيث يرى هذا الخطاب أن الحل الوحيد لأزمة التقدم الحضاري وتجاوز حالة التخلف يكون بالالتزام باشتراطات المقدس والعودة إلى حالته الخام التي شهدت صعودا في الفعل الحضاري لشعوبنا وفي نفس الوقت التزاماً صارماً باشتراطات المقدس هذا المقدس الذي يعد في جملة ما يعد بتقدم حضاري فاعل يقوم على وعد إلهي يتجاوز حدود العقل البشري أو اشتراطاته أو فهمه للواقع..هنا أيضا سيكون للديمقراطية حضور هامشي و لو أن أصحاب هذا الخطاب لا يرون تناقضا بين الديمقراطية و أطروحاتهم..هكذا يريد الخطابان الرئيسيان اليوم أن يستندا إلى أزمة التقدم الحضاري كمرتكز لكامل المشروع و تبدو هنا الديمقراطية كهدف إما تحصيل حاصل للتغيير العميق الجذري في الواقع الاجتماعي السياسي الثقافي التالي لتبني قيم و نموذج الحضارة المتفوقة أو للالتزام بحالة شعبية دينية لا تتناقض مع سيطرة دين الأكثرية.. إن الديمقراطية كما نحاول إثباتها يفترض أن تكون هدف ومطلب الجماهير المهمشة يفترض أن تعبر عن مصالح هذه الجماهير في دخول ساحة الفعل المجتمعي المؤثر لإخراجها من حالة التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي.. المشكلة هنا هو أنه من خلال المقاربتين السابقتين ما تزال الديمقراطية مطلب أو خطاب نخب طائفية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ترى نفسها مهمشة في مقابل واقع دورها أو احتمالاته الأبعد و الأكبر..هذا بالتحديد ما يغرق "الديمقراطية" اليوم في حالة من حوار طرشان جدلي أحيانا و دموي أحيانا أخرى محصورا بين هذه النخب التي ترى في المقاربتين الأساسيتين السابقتين أساسا لشرعية مشروعها وبالتالي سلطتها على المجتمع بعيدا عن الجماهير التي تخضع للمزيد من التهميش.. بينما يفترض أن يكون المغزى الحقيقي لهذه الديمقراطية هو تفعيل وجود ومشاركة كل الفئات المهمشة بلا استثناء..

تقوم الليبرالية خاصة بصيغتها الجديدة في بلاد المنشأ أمريكا خاصة على صيغة يتمتع فيها المجتمع بالكثير من الحرية وبصيغة محدودة مقننة من المشاركة السياسية ويقوم هذا النظام على طبقة وسطى ذات مستوى معيشي استهلاكي عالي يبرر سلوكها و قبولها بهذا التقسيم غير العادل في الثروة المادية وفي رسم الخيارات السياسية بينها وبين الأوليغاركية المالية الاقتصادية الحاكمة.. يمكن أيضا إضافة حالة أخرى نشاهدها في الوضع اللبناني وهو أن تكون الأوليغاركية الحاكمة قادرة عبر ثقافة طائفية شعبوية وتحالفها مع المؤسسات الدينية على الأرض أن تعيد إنتاج سيطرتها ولو بمستوى أعلى من التوتر واستقرار أكثر هشاشة.. في كلتا الحالتين سيبقى هامش الحرية الواسع الذي يتمتع به المجتمع شرطا لإعادة إنتاج سلطة النخبة الحاكمة عبر استيعاب التوترات وتنفيس الاحتقانات الاجتماعية بطريقة "سلمية" للسلطة ما دام شرط استمرارها موجوداً..

هذا مثلا يفسر حاجة النظام الإيراني إلى إدامة حالة من الاحتقان مع الخارج العلماني- السني تحديدا للتعويض عن التراجع الذي شهده دعم الشعب والمجتمع له مع تحوله النهائي إلى حالة بيروقراطية فاسدة لا تقل عن أنظمتنا العربية المشهود لها..إن الجدل السياسي الراهن الذي يستخدم تعابير مثل الديمقراطية والدستور والشرعية لا علاقة له بتثوير وضع الجماهير المهمشة بل هو عبارة عن صراع بين النخب صراع يحاول إقامة توازنات أكثر "عدالة" داخلها ويبقى هذا الاحتقان الطائفي أو التوترات المختلفة شرطا مطلوبا بل و أساسيا لإنتاج سيطرة هذه النخب على الجماهير ما دامت هذه النخب عاجزة عن إطلاق مشروع ينتج طبقات ترى أنه من مصلحتها استمرار الوضع القائم هذا العجز الذاتي والموضوعي لهذه النخب سيعني استمرار الصراع تارة باسم المقدس بصيغته الطائفية وتارة باسم استعادة الجماهير إلى التاريخ وإخراجها من وضعيتها المهمشة وهذا يتطلب بالتأكيد معارضة النظام أو مجمل الوضع القائم بمشروع سياسي اقتصادي ثقافي يتمحور حول مصالح هذه الجماهير.