موت الحلم

مازن كم الباز قرأها 6
  

وتضيع الخطوط وتنمحي الحدود وتختلط ويبدو الحق باطلاً والباطل حقاً والحرام حلالاً والحلال حراماً وأفقد القدرة على التمييز وأجدني أفكر فيك ياأمي وأعرف أنك ميتة وأني لا أستطيع أن أسألك عن أي شيء وأعرف أن الغيوم التي تحتلُّ سمائي أعلى من أرضي وهي سوداء داكنة تعد بالمطر دون أن ترسل قطرة تروي ظمأي عطشي وأن السماء بعيدة بعيدة لا تسمع نداءاتي وأن عالمي ينهار يتداعى وأني لا حول لي ولا قوة..

أعلم أنني عاجز لا أملك القوة ولا القدرة ولا الجرأة ولا البصيرة على إدراك ما يجري لهذا العالم وأستسلم فأبكي دمعة على عالم كان يوماً يملأ البيت دفئاً .. كان كتاباً واضحاً مكشوفاً أستطيع فهمه وتلُّمس طريقي فيه، أما الآن فقد مضى أوان السكينة .. أدرك أنني عنين أمام هذا الواقع الذي أراه زائفاً غائماً يجتاحني بأسماء تلك الملابس والأحذية والسندويشات وأسماء النجوم والسيارات يحاصرني وأفتقد عنوان بيتي، حارتي .. أفتقد يوم الأمس وأطلب السكينة من جديد فأستمع إلى أذان الفجر ولكني لا أراه، وأنتظر بنفاذ صبر لكنه يبتعد عني ولا أرى في السماء سوى أطلال قمر باهت وأنتظر وأنتظر شيئاً لا يأتي .. وأقسم لن أسمح للحب ثانية أن يطرق قلبي، أقسم كمن يطلق النار على قلبه، مَن يطلق رصاصة الرحمة على دمه الواهن وأحس بظلام غامر يلفني وأقابله بحزن وأستسلم لوحدتي غير المرئية التي لا يراها أحد والبكماء التي لا يسمع أنينها أحد وأعشق وحدتي التي تختزل مأساتي مرات عديدة إلى نقطة غير مرئية وأشعر الخيانة في كل شيء حولي كل شيء يتآمر على حزني وعلى ذكرى أبي وهو يبتسم وذكرى أمي تعدُّ لنا الطعام.. وأحس الزيف في كل شيء فألمس كل شيء ربما أسقط على شيء حقيقي وأشعر باليأس وأجد نفسي محشوراً في الأمس في ذكرى عزيزة أحتفظ بها بعيداً في قلبي عميقاً في روحي. وفجأة يتفجَّر شيء هائل داخلي وأفقد ذكرياتي تلك وأتحول شيئاً ما فاقد الوزن فاقداً أي شيء في مهبِّ رياح عاتية تطيح بروحي بعيداً وأوجس أن ذكرياتي تلك كانت مزيفة غير حقيقية وأن شخوصها مزيفين وأشعر كمن ينظر إلى مرآة فارغة فلا يرى سوى الوهم وأستجدي أي شيء أي بصيص ضوء أية قشة أي نقطة ماء فلا أجد سوى الفراغ وأحس بعمري يخونني ويهرب بعيداً تاركاً لي بعضاً من ندم وحزن وأمل ميت ينتظر أن يدفنه زمني الهرِم الذي توقفتْ تكتكاتُ قلبه منذ زمن ويتهيأ لي أن العالم أصبح سجناً كبيراً قبراً هائلاً لأمثالي وأن العيد الذي انتظرناه قد أصبح جنازتَنا، طقسَ وداعنا الأخير .. قد خاننا وهرب إلى حيث لا يدركه الأطفال أو الفقراء ولا أقدر حتى على البكاء، تموت الدمعات حائرة حزينة ويطوف بي هاتفٌ لعله ملك الموت يحدثني ألا أبكي.. يقول لي أن الشقاء لن ينتهي ربما.. لكن الحلم لا يموت، لن يموت حتى لو دفناه بعيداً عن متناول الفقراء.. الحلم لا يموت يردِّد ذلك الصوت الآتي من العدم من الصمت ولا يصمت أبدا.. أبداً لن يصمت.