"حسيبة" .. وثيقة حب دمشقية تعيد السينما السورية إلى محركها الوطني
السادس عشر من أيلول 2006، يرتفع صوت المخرج ريمون بطرس للمرة الأولى:
كاميرا .. ابدأ ..
تدور كاميرا مدير التصوير جورج لطفي الخوري بحماسة البدايات المتفائلة، راصدة حلم ريمون بتجسيد حكاية حب لدمشق وناسها سينمائياً.
نصه من وحي رواية الذهبي، وصورته قطعة من روح ريمون
كانت رواية (حسيبة) للروائي خيري الذهبي الفضاء الملائم ليحبو الحلم نحو الحياة في الشاشة الكبيرة، إلا أن تفاصيل (حسيبة) السينمائية، كما سعى إليها ريمون، كانت تضرب جذورها في عمق الحياة الدمشقية لتصير رسالة الحب إلى الشام، ووثيقة خلود للمدينة تضاف إلى أوابدها التاريخية وذاكرة نحو خمسة آلاف عام من عمرها...يقول ريمون: (في هذا الفيلم انتقلت للمرة الأولى من بيئتي حماة إلى دمشق، حباً بالرواية و حباً بالموضوع الذي طرحه الأستاذ خيري الذهبي. وقد أحببت أن أقدمه رسالة حب إلى الشام وأهلها وحجارتها وعمارتها وتاريخها، بوصفها اختزالاً لتاريخ عمره أكثر من خمسة آلاف عام، ورسالة الحب هذه حملها جميع العاملين في هذا الفيلم.
ربما من المبكر الحديث عن الفيلم كمادة سينمائية جاهزة للعرض، إلا أن معايشة عمليات تصويره على مدار أكثر من ستين يوماً كانت كفيلة بتكوين صورة. قالت نجمة الفيلم سلاف فواخرجي إنها: (تعج بكثير من تفاصيل الحياة ومفرداتها، وهي صورة غنية، في كل مشهد منها كنا على موعد مع شيء جديد).
في مواقع التصوير التي تجاوزت الثلاثين موقعاً، سينشغل ريمون بتشكيل تفاصيل أبسط لقطة في الفيلم بما يجعلها تنبض بالحياة الدمشقية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. (لقد عملنا على إعادة صياغة المكان الموجود، يعلق ريمون، بما ينسجم ويتسق مع أجواء الفيلم وزمن أحداثه)، لافتاً إلى أن المؤسسة العامة للسينما- جهة الإنتاج لم تبخل عليه بكل ما طلبه في هذا السياق.
صعوبة العمل في الفيلم لم تقتصر على إعادة صياغة المكان وحسب، بل كان في تعدد مواقع التصوير، والعدد الكبير من الممثلين والكومبارس صعوبات إضافية. مهَّد ريمون لتجاوزها بداية حين وضع (تحلِّي فناني الفيلم وفنييه بالأخلاق المهنية والحياتية) شرطاً لعملهم معه، وتجاوزه تالياً بقرار حازم (أنا لا أغامر بالممثلين)، معلناً في النهاية سعادته بالعمل مع أكثر من ست وأربعين ممثلاً بينهم (عدد من الممثلين والممثلات المهمين جداً خلال السنوات الماضية وفي السنوات الأخيرة، وهذا أمر مهم جداً لأني مهتم في هذا الفيلم بعلاقة أقوى وأوسع مع المتلقي، ولذلك حرصت على التعامل مع ممثلة مهمة هي سلاف فواخرجي، وهي نموذج للممثلة الشابة من ناحية التزامها مهنياً وأخلاقياً، وإلى جانبها كان ثمة ممثلون كبار وخلوقون: طلحت حمدي وسليم صبري وجيانا عيد ومانيا نبواني).
يرصد فيلم (حسيبة) تحولات عدد من النساء الدمشقيات خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 1927 و1950 من خلال التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة في الفترة ذاتها، إلا أن الفيلم يحتفي بالمكان بوصفه البطل الأول في الفيلم. (حسيبة) بالترتيب هو ثالث فيلم روائي لريمون بطرس كسيناريست ومخرج، و(لكن هذه هي المرة الأولى، يعلق ريمون، التي أتشرف فيها بالعمل والاعتماد على نص أدبي، هو رواية (حسيبة) للكاتب خيري الذهبي، وأجزم أنها من أهم الروايات في العالم العربي. بالنسبة لي أنا قدمت الرواية كما أراها، بوصفي كاتباً للسيناريو ومخرجاً، فهناك الكثير من الخطوط في الرواية التي لا يمكن لأي عمل سينمائي احتواؤها، ولذلك سيكون نص الفيلم من وحي رواية خيري الذهبي لا تجسيداً حرفياً لها.
يقول العاملون في الفيلم إن نص الفيلم المكتوب كان وحي من رواية الذهبي، إلا أن تفاصيل صورته السينمائية كانت قطعة من روح ريمون. وقد عمل على تشكيل فسيفسائها بعناية فائقة حرص فيها على الإشراف بنفسه على بناء كامل مكونات كل لقطة ومفرداتها: (نجهز المشهد بكامل مفرداته، ونشتغل على اللقطة الواحدة فيه بكل مكوناتها، فكل لقطة هي فيلم حسيبة).
حساسية ريمون تجاه الصورة جعلت من مهمة اختيار الفنيين العاملين معه مسألة في غاية الأهمية، تجاوزها عدد من المخرجين من خلال الاستعانة بالخبرات الأجنبية في مجال التصوير والصوت، (إلا أنني وبخبرتي المتواضعة، يقول ريمون، وبعد دراسة مستفيضة للسنوات الماضية وما أنجز من أفلام على يد مديري التصوير، الأجانب والعرب، ومهندسي صوت.. وجدت أنه لم يظهر معهم أي شيء جديد سينمائياً يكون باهراً وغنياً وعميقاً إلى الدرجة التي تحفزني للاستعانة بالخبرة الأجنبية، ووجدت بعد المشاورات مع المخرج العزيز ماهر كدو، أن نعيد السينما الوطنية إلى محركها الوطني كما كانت، ولذلك أنا الآن أعمل مع الأستاذ جورج لطفي الخوري مدير التصوير العتيد صاحب العين الساحرة واليد التي لا تهون أمام أي كادر.
تعاون المخرج ريمون مع مدير التصوير الخوري في (حسيبة) هو الثالث بعد أن عملا معاً في (الطحالب) ثم (الترحال). ولكن ما يميز تعاونهما هذه المرة هو اختيارهما طريقة التصوير بكاميرا جديدة، تستعمل لأول مرة في تاريخ السينما السورية، هي كاميرا (hd) أو هاديفينيشن، وهي كاميرا مصنعة خصيصاً لتحويل الفيلم على 30 X20 للعرض في صالة السينما. وعن ضمان استعمالها يقول ريمون: (لقد أقدمنا على هذه التجربة بعد دراسة مستفيضة، فقام الأستاذ جورج بتصوير مشاهد تجريبية، ثم قمنا بإرسال هذه النسخ إلى إيطاليا والهند واطلعنا على النتائج التي جاءت مرضية على نحو جيد، أتوقع أن تكون الصورة معها على سوية فنية عالية.
الأستاذ جورج لطفي الخوري أكد كفاءة هذه الكاميرا، وقد سبق له التعامل معها في تصوير المسلسل التلفزيوني (الظاهر بيبرس): (التعامل مع هذه التقنية ضروري جداً، فنحن بعد سنوات سنكون مضطرين للتعامل مع هذه التقنية...النتائج الأولية كانت مبشرة جداً، وهذا من شأنه أن يشجع القطاع الخاص على المضي قدماً في الإنتاج السينمائي، الأمر الذي سيكون له الأثر الكبير في رفع سوية الأعمال السينمائية وانتشارها كما هي الحال في الدراما وبذلك نحقق نقلة نوعية في السينما).
على هذا النحو سيسجل لفيلم (حسيبة) إدخاله تقنية التصوير الجديدة إلى السينما السورية، كما سيشكل عودة بالسينما السورية إلى النتاج الروائي، بعد أن قضت سنواتها الأخيرة معتمدة على (سينما المؤلف) في معظم إنتاجاتها، إضافة إلى ما أنجزه الفيلم على صعيد ترميم عدد من البيوت والشوارع الدمشقية القديمة وإعادة إحياء وتأهيل سبل ماء ومحلات وسواها.. فضلاً عن زراعة العشرات من شجيرات الياسمين والورد في أماكن متفرقة من مواقع التصوير..وبذلك تكتمل صورة (حسيبة) بوصفها مشروعاً يتجاوز الشاشة الكبيرة ليصير وثيقة دمشقية.
العاشر من كانون الأول 2006، الساعة الخامسة والنصف مساء، يرتفع صوت ريمون: (هذه هي، يعطيكم العافية).
يلملم فريق (حسيبة) أغراضه، بينما يستعد مخرجه ريمون لجولة جديدة مع المونتير محمد علي المالح لمونتاج الفيلم.