مدرسة العطاء دون انتظار مقابل
مدرسة العطاء دون انتظار مقابل
بقلم: يعقوب كرّو
برغم أن الأمر كان متوقعاً، بل ومحسوماً، بعد أن دخل الرفيق العزيز الدكتور نبيه رشيدات في الغيبوبة الطويلة، فقد كان إعلان نبأ وفاته شديد الإيلام. وسرعان ما انتشر الخبر المحزن بسرعة البرق بين محبي الفقيد الكثيرين.
لقد كان معبّراً وذا دلالات عميقة الوداع العفوي المؤثر الذي جرى، في عجالة، لرفيقنا الغالي، وهو يغادر، لآخر مرة، دمشق التي أحبها وأحبته، ليوارى الثرى في مدينة إربد مسقط رأسه. فقد شارك في هذا الوداع باقة من أبرز أناس الثقافة والفكر والعمل، وكوكبة من ممثلي القوى الديمقراطية والتقدمية، بمختلف تلاوينها، ومن ممثلي الفصائل الفلسطينية. ولا غرابة في ذلك فقد غدا الرفيق أبو عمر، عبر نشاطاته المتنوعة، خلال نحو ستة عقود ونيف، جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع السوري ووجهاً سياسياً وثقافياً وشعبياً مرموقاً في دمشق.
إن المناضلين الذين يؤكدون، برغم كل الظروف والتطورات والصعوبات، وفاءهم للأفكار والقيم النبيلة التي يتبنونها ويحملون رايتها، والذين يؤكدون بخاصة توافق سلوكهم اليومي وتطابق ممارساتهم العملية مع هذه القيم والأفكار، لا بد أن يتركوا بصمات عميقة في المجتمع الذي يعيشون فيه. والرفيق الفقيد أبو عمر هو نموذج فذ ومتميز لهذه الطينة من المناضلين. وهو نموذج نعتز به وأهل للاقتداء. لقد كان محصناً ضد المغريات التي لم تعرف طريقها إليه، فهو لم يعرها اهتماماً، بل أهملها ونبذها وهي بين يديه يوم كان والده عبد الرحمن باشا رشيدات، عضو المؤتمر الوطني السوري الأول، عضواً في مجلس الوصاية على العرش، ولم يسمح لها أن تمنعه من السير في الطريق الذي اختاره.
لقد أحب سورية، أحب الروح الوطنية المتأصلة في شعبها والمتوافقة مع ما يتدفق في شرايينه من مشاعر. وفي جامعة دمشق التي درس وتخرج فيها تعرف على الحزب الشيوعي وانتسب إليه. لقد جاء إلى الحزب من مواقع النضال الوطني والاجتماعي والديمقراطي التي رآها متوفرة فيه، ومن رؤيته للترابط الوثيق بين قضايا الوطن والمواطن. وقد دلّل على وفائه لمنطلقاته هذه خلال حياته كلها. فقد كان لا يزال طالباً في كلية الطب، أثناء قصف الاستعمار الفرنسي للمجلس النيابي، حين سارع إلى التطوع لتقديم الخدمات الطبية للمصابين من الدرك والمدنيين.
وقد جسد قناعاته الوطنية والاجتماعية وأسلوبه النضالي المتميز في سلوكه اللاحق في عيادته والمشافي التي عمل فيها. إذ وضع نفسه وعيادته في خدمة مناضلي المقاومة الوطنية الفلسطينية التي كانت في بدء انطلاقتها، والمناضلين العرب المطاردين من أنظمتهم الاستبدادية واللاجئين إلى أحضان دمشق، وكذلك في خدمة الأوساط العمالية والشعبية الفقيرة. وغدا معروفاً أن القسم الأعظم من معالجاته كانت مجانية مع تقديم ما لديه من أدوية عند الضرورة. وهو لم يكن يتميز فقط باستقبال المرضى بما عرف عنه من بشاشة، وبطريقته التي ينفرد بها والتي تشد العزائم، وإنما كان لا يتوانى أيضاً عن ملاحقة مرضاه بالهواتف عند الضرورة للاطمئنان عليهم، وبالذهاب إلى بيوتهم إذا لزم الأمر.
لقد عرفت الرفيق نبيه رشيدات منذ أكثر من نصف قرن. وعرفت تاريخه الكفاحي الحافل في الأردن، وكانت موضع إعجابي الكبير وتقديري الدائم مزاياه كطبيب إنساني وشعبي وقدير في اختصاصه في الوقت نفسه. وكان هذا يجعله يمتلك شبكة علاقات سياسية واسعة، ويؤهله بالتالي لممارسة نشاطات متشعبة ومفيدة. وقد عملنا معاً في التنظيم الحزبي وفي جمعيات ونشاطات اجتماعية مختلفة ما جعلني أعرف على نحو أفضل ما يمتلكه من كفاءات وطاقات. وإني لأحمل عن هذه الأيام من العمل المشترك معه أجمل الانطباعات. كان من الطبيعي أن نختلف أحياناً، وقد اختلفنا إنما لفترة قصيرة، ولكن ما كان واضحاً دائماً أن الموقف الذي يتخذه هو نتيجة قناعة تتملكه لا أثر فيه للذاتية أو للمصلحة، إذ لا يترافق الاختلاف بالنسبة إليه بأي أثر للعداء. ولذلك فقد بقيت الصداقة والمواقف المبدئية هي الأساس بيننا.
بعد أن أصبح أبو عمر غير قادر على مغادرة البيت بقينا على اتصال دائم وكنت حريصاً على زيارته كلما أمكنني ذلك. وكان يصر على أن يتصل بي بعد صدور كل عدد من النور ليبدي رأيه وملاحظاته الهامة.
ليلة سفري الأخير حرصت على زيارته لتوديعه. لن أنسى استقباله لي. كنت أرى بوضوح حالة التراجع في وضعه العام، ولكني لم أكن أظن أنه سيكون بمثل هذه الخطورة والتسارع، ولم أتصور أن هذه الزيارة ستكون الأخيرة. ولكن يبدو أن الإحساس الذي ألح عليَّ بأن أذهب لتوديعه، برغم ضيق الوقت، كان هو الأصدق.
لقد فقدنا برحيل الدكتور نبيه رفيقاً متميزاً ومناضلاً صلباً ووجهاً اجتماعياً بارزاً ولكني فقدت أيضاً صديقاً عزيزاً وأخاً كبيراً.
لقد قدمتَ الكثير أيها الفقيد الغالي، وكنت مدرسة في العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً، وهي قد غدت مثلاً يحتذى بالنسبة لعدد متزايد من الأطباء الشيوعيين. فنم قرير العين مرتاح الضمير. فذكرى هذه المدرسة ستبقى أبداً.