سلاماً بلد غاندي ونهرو

يعقوب كرُّو قرأها 5
  

سلاماً بلد غاندي ونهرو

يعقوب كرّو

زيارة الدولة التي يقوم بها السيد الرئيس بشار الأسد والسيدة عقيلته، هذه الأيام، برفقة وفد حكومي سياسي واقتصادي رفيع المستوى، إلى جمهورية الهند الصديقة، هي أول زيارة على هذا المستوى منذ ثلاثين عاماً.

الأهداف الاقتصادية المرسومة لهذه الزيارة والمطروحة على أجندتها هي بلا شك ذات أهمية واضحة. ونحن على ثقة بأن حصادها في هذا المجال بخاصة سيكون وفيراً وجيداً لمصلحة البلدين والشعبين الصديقين.

ولكن من الطبيعي أن تعقد آمال في هذه الزيارة على توطيد العلاقات السياسية وتوسيع المساحات المشتركة بين البلدين، وعلى دور إيجابي للهند أكبر على النطاق الدولي، وفي الإسهام في وضع حد لكل أشكال العدوان والاحتلال في الشرق الأوسط،و إحلال السلام العادل والشامل فيه.

وتشكل هذه الزيارة خطوة أخرى موفقة تخطوها سورية باتجاه بلدان الشرق التي تجمعنا بها حضارات عريقة طالما تلاقحت وتبادلت التأثير، والتي تربطنا بها مصالح مشتركة كثيرة وعلاقات تاريخية وأشكال من التعاون والتعاضد قديمة.

فلقد كان البانديت جواهر لال نهرو، منذ النصف الأول من القرن العشرين، يتابع باهتمام وإعجاب كبيرين بطولات الثوار السوريين وتضحيات جماهير الشعب السوري ضد الاستعمار الفرنسي. وقد سجل هذا الاهتمام والإعجاب في رسائله التثقيفية الشهيرة التي كان يبعث بها إلى ابنته أنديرا.
و قد جسدت حركة عدم الانحياز، التي كان جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر أبرز أقطابها، الترابط الوثيق بين حركات التحرر الوطني العالمي ولكن أيضاًً وبخاصة بين الشعوب العربية والشعب الهندي.

إن زيارة الهند هذه التي تجري بعد الزيارات المماثلة والناجحة التي تمت إلى كل من روسيا والصين، والتي أسهمت في توطيد العلاقات في مختلف الميادين مع هذين البلدين الكبيرين والأساسيين وحرص هذه الدول على أفضل العلاقات مع سورية، تقدم مؤشراً جديداً إلى أن حلقات الأحادية القطبية هي في طريقها إلى التفكك، إذ ليس سراً أن هذه الدول الثلاث، بما لها من وزن سياسي وما تمتلكه من قدرات اقتصادية وعسكرية كبرى، هي نواة قوة التحدي الأساسية للأحادية القطبية. وهي لم تعد تكتفي، بأن تعبّر، بأشكال مختلفة، عن استيائها من ممارسات (الدولة الأعظم) وسلوك رئيسها الذي نصّب نفسه حاكماً عرفياً كونياً، وإنما هي تتخذ اليوم مواقف تؤكد فيها، بمزيد من الوضوح، تمسكها بقناعاتها الخاصة بها وبالمبادئ التي تؤمن بها، حتى ولو كانت هذه المواقف مخالفة لما يرغب فيه ويدعو له هذا الحاكم العرفي، ومثيرةً لغضبه.

إن هذه الزيارة وما سبقها من مؤشرات، ومنها توجيه الرئيس الفرنسي ساركوزي دعوة إلى الرئيس الأسد لحضور احتفالات العيد الوطني في فرنسا، تشكل رسائل واضحة إلى أولئك الذين طالما تصرفوا تجاه العالم بعنجهية وتعاملوا معه باستخفاف واستغباء، فاختزلوا المجتمع الدولي كله بعواصمهم وإداراتهم هم، فانطلقوا من أنهم هم وحدهم من يمثل هذا المجتمع وينطق باسمه. فإذا غضبوا على دولة ما أو على قيادتها فلا بد أن يغضب هذا لغضبهم كما يرضى عمن وعما يرضون عنه.

ولكن التاريخ يؤكد أن الكلمة الفصل تبقى للشعوب. وأن قضية الحرية لا بد أن تنتصر طال الزمن أم قصر.

إن لدى الهند، هذا البلد العظيم بحضارته العريقة، الكثير مما يمكن أن نستفيد منه. وربما كان مطلوباً بالدرجة الأولى أن ندرس بعمق ونسعى لأن نستفيد من التجربة الديمقراطية والعلمانية لدى هذا الشعب الصبور والمسالم والمكافح في آن معاً والتي هي تجربة أكبر دولة ديمقراطية في العالم، إذ يجري تطبيقها في بلد هو شبه قارة ويضم مزيجاً من عدد كبير من الإثنيات والأديان وتستخدم فيه 400 لغة. ذلك أن الديمقراطية والعلمانية تشكلان اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، حاجةً ماسة لبلادنا ومنطقتنا، والدواءَ الناجع لكل ما تعانيه من أمراض.

كما يمكن أن نستفيد بالطبع من تجربة الهند الغنية في مجال نشر المعلوماتية، والتي تعد حالياً واحداً من أهم المراكز المتطورة في العالم في هذا المجال الحيوي والأساسي لكل عملية تطور ونهوض بالمجتمعات.

ولا بد أن تكون الزيارة الراهنة فرصة لتنظيم مختلف أشكال الاستعانة الممكنة بالخبرات الكبيرة التي تمتلكها الهند في مجال تطوير البنى التحتية ولاجتذاب المؤسسات والشركات الهندية المتخصصة للمساهمة في بناء مشاريع تنموية وفقاً للخطة الخمسية في سورية.

النور - سوريا