فلسطين تودّع عاشقها

يعقوب كرُّو قرأها 6
 

فلسطين تودّع عاشقها

يعقوب كرّو   

mahmoud-darweesh06.jpg

مات محمود درويش.. خبرٌ نزل كالصاعقة فوق الرؤوس، إذ ليس سهلاً أن نرى فارس الشعر العربي يترجُل عن صهوة جواده ليرتحل قبل الأوان، وهو ما يزال في قمة القدرة على العطاء والإبداع. مغادراً الملايين من محبيه المنتشرين في سائر أرجاء المعمورة، والمتعطشين لإبداعاته.

عاشق فلسطين المعبّر بحرارة وصدق وبراعة عن معاناة شعبها وعدالة قضيته، وشاعر المقاومة وأطفال الحجارة الأبرز، لم يستسلم للموت، إذ رفضه وقاومه ببسالة وهزمه مرتين، وعاد ليتابع إبداعه، وأنجز ما هو بالغ الأهمية والقيمة، ولكن الموت عاد وتمكّن منه وغدر به في المرة الثالثة.
هكذا غاب محمود وغابت معه وبه واحدة من أهم وأبرز قامات الإبداع العربي والإنساني.

مات محمود ولكن كلماته لن تموت، بل ستبقى حية في النفوس ومحفورة في القلوب، وستغدو أشعاره أغانيَ تردّدها الأجيال المتعاقبة، تحفز المناضلين من أجل انتصار قيم الحرية والعدل والحب والسلام، وتلاحق مزوّريّ التاريخ وأعداء الإنسان ومغتصبيّ الأرض والحقوق وزارعيّ الموت والدمار في بلد المحبة والسلام، وناشريّ الخراب في حقول القمح وبساتين الليمون والزيتون فيه.

إن ثمة حقداً (متميزاً) تخصصه القوى الصهيونية وتوجِّه نيرانه نحو الأعمال الإبداعية العربية والفلسطينية، وفي مقدمتها نتاج وأشعار الراحل الكبير محمود درويش. فخطورة هذه الأعمال الإبداعية بالنسبة لهذه القوى لا تكمن فقط  في استثارة حماسة المزيد من الجماهير العربية للدفاع عن قضيتهم العادلة، وإنما أيضاً في أنها تكشف الحقائق أمام العالم أجمع، وزيف ما تنشره الدعاية الصهيونية من أكاذيب وما تقدمه على أنه حقائق. فالحقيقة هي أمر تخشاه القوى الصهيونية كما تخشى أشد الأسلحة فتكاً.

إن رحيل شاعرنا الكبير، هو خسارة فادحة للإبداع العربي، وقد قدّم محمود درويش نموذجاً متقدماً للتطوير المطلوب في حقل من أهم حقول هذا الإبداع. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن رحيله يشكل، كما رحيل المخرج الكبير يوسف شاهين قبل أيام، خسارة جدية لحركة الإبداع العربي والإنساني معاً.

وتبقى الخسارة وطنية فلسطينية بامتياز، كما هي خسارة لقضية النضال العربي بأسره. إذ فقد الشعب الفلسطيني برحيل محمود درويش سفيراً لقضيته إلى شعوب العالم مُعترَفاً به ومشهوداً له بتألقه وتأثيره.

ولأن محمود درويش هو القاسم الأعظم لجميع أبناء وبنات الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية المتمسّكة بتجسيد حلم الدولة الفلسطينية في الحياة، فإن أملنا كبير بأن يسهم هذا الغياب المفجع والمفاجئ لشاعرنا في إعادة البعض إلى صوابهم من أجل وضع حد، وفي أسرع وقت، لحالة الانقسام الفلسطيني المأسوي جغرافياً وسياسياً، ناهيك بحالة الاحتراب المدمر والمخزي الذي لا يصب الماء إلا في طواحين المغتصب المحتل. ومن أجل اعتماد الحوار الوطني الشامل لاستعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس راسخة.

·       رئيس تحرير صحيفة النور السورية