البناء على الإنجاز.. يحميه ويدعمه
البناء على الإنجاز.. يحميه ويدعمه
يعقوب كرّو
تعلم تجارب الحياة وتؤكد أن حماية إنجاز ما قد تكون أصعب من تحقيقه. فالقوى التي جاء الإنجاز خلافاً لإرادتها وبغير ما تشتهيه وما كانت تخطط له لن تستسلم بسهولة وقد تلجأ إلى وسائل مختلفة لإجهاضه أو لتعطيله وعرقلة تنفيذه.
ونحن اليوم إزاء الإنجاز الهام الذي تحقق في لبنان والذي نحرص جميعاً على حمايته وتجسيد مفاعيله على الأرض بما يحقق مصلحة لبنان الوطنية العليا وشعبه الشقيق. ونحن نعرف أنه دون الطموح والمطلوب, إذ لا يشكل حلاً جذرياً للأزمة اللبنانية المزمنة، لكن أهميته تكمن خاصة في أنه قد نزع صواعق التفجير الذي كان يهيأ له، وقطع الطريق على من كانوا يريدون تدويل المسألة اللبنانية وإشعال الحرائق في هذا البلد المترع بالثقافة، كما فعلوا في العراق. وبالتالي فإن هذه الأهمية تكمن أيضاً في ما هو مدعو لتهيئته من ظروف وبيئة ملائمة لإجراء حوار وطني مسؤول وبناّء تبحث خلاله سائر القوى الوطنية في لبنان في الحل الجذري المطلوب الذي من شأنه استبعاد العوامل المولّدة باستمرار لمثل هذه الأزمات، وبخاصة عبر إصدار ما يلزم من تشريعات وقوانين، واتخاذ إجراءات لبناء مؤسسات الدولة على أساس الانتماء للوطن لا للطائفة وكل ما هو قبل المدني.
ولذلك فإن ما أنجز، برغم ما فيه من ثغرات ونواقص، هو انتصار للبنان وشعبه، وليس انتصاراً لطرف على آخر. وما هو ملحّ الآن هو بذل كل الجهود الممكنة لحماية ما تحقق وتوطيده والسعي بخاصة للمساعدة على مواصلة تنفيذ بنود اتفاق الدوحة بالروح المسؤولة نفسها التي سادت أثناء صياغته، وعدم السماح للشياطين أن تتسلل عبر التفاصيل الصغيرة خلال التنفيذ.
وواضح أن الأمر ليس بمثل هذه السهولة ولن يمر دون عقبات، ولكن المهم هو مساعدة الأطراف كافة على البحث دائماً عن القواسم والمساحات المشتركة بينهم، وتغليب مصالح الوطن واستقراره وضمان قراره الوطني المستقل وحمايته من التدخلات الخارجية الأجنبية التي افتضح أمرها وأهدافها لكل ذي عينين.
إن تفاعلات الأزمة اللبنانية التي انتهت باتفاق الدوحة قد أكدت من جديد أن لبنان، كما كل بلد عربي، هو جزء لا يتجزأ من الجسم العربي الذي تألم كله لألم شعب لبنان ومعاناته. وكان أن نهض كل ما في هذا الجسم من خيّر ونبيل، واستنفر قواه لوضع حد لمعاناة هذا الشعب وآلامه وكلل هذا الجهد بالنجاح.
وحين يعمل لبنان اليوم، بكل أطيافه وقواه، على إنجاح هذا الاتفاق، فإنه يسدد بذلك الدين لبقية أجزاء الجسم العربي التي دعمته وساعدته، ويدعوها لأن تتعظ بتجربته المريرة وتضع حداً لبعض مظاهر الاحتقان التي تسود علاقاتها، والى أن تعمل لتوحيد كلمتها ورصّ صفوفها، كما طلبت هي منه وهو يسعى لتحقيق طلبها. وبذلك يرتقي دور لبنان بدوره ومساهمته في تحقيق المصالح العربية المشتركة.
وفي هذا الإطار نرى إلى التحرك الذي باشره الرئيس بشار الأسد على النطاق العربي. فهو إذ ينطلق من ترابط القضايا العربية الوثيق وتبادل التأثير فيما بينها، يستفيد من الأجواء الإيجابية التي وفرها الإنجاز اللبناني لـ(يضرب الحديد وهو حامٍ)، فيعمل على مساعدة المناضلين الفلسطينيين للاهتداء بالمثال اللبناني لاستعادة وحدتهم والتوجه معاً، وفق مرجعية واحدة توجه كفاحهم وتنظمه وتوحده، من أجل استرجاع الأراضي والحقوق المغتصبة، وليعمل في الوقت نفسه من أجل المساعدة على تنقية أجواء العلاقات العربية- العربية وتبديد الغيوم من سمائها. إنه تحرك يستوحي الإنجاز اللبناني الذي ساهمت سورية على نحو جدّي في تحقيقه، ويشكل حماية وتدعيماً له.