ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
يعقوب كرّو *
الأول من أيار، اليوم العالمي لتعزيز التضامن ووحدة العمل بين سائر العاملين بأيديهم وأدمغتهم في النضال دفاعاً عن حقوقهم، يطلّ هذا العام والعالم كله لا يزال يعيش تحت وطأة آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وارتداداتها المدمرة، والتي يشكل العاملون بأجر والشرائح الاجتماعية المتوسطة وشعوب بلدان الجنوب أول ضحاياها وأشدهم معاناة بسببها.
هذه الأزمة التي هي الوليد الشرعي للرأسمالية، كشفت على نحو فاضح ما تختزنه هذه من أنانية وجشع بل ووحشية، وما تشكله من مخاطر على أمن العالم واستقراره بل ووجوده, وهي قد قدمت بذلك دليلاً جديداً قاطعاً لا يرد ولا يدحض على أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ، كما زعموا، وأنه لا بد، بالتالي، من مواصلة العمل والنضال من أجل تجاوزها بما يحقق العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان ويضمن بناء عالم بلا حروب يسوده القانون ويقوم على التعاون، وتجند فيه كل الطاقات من أجل خير البشرية وتقدمها وازدهارها. ومن البديهي أن تكون الطبقة العاملة العالمية في مقدمة هذا النضال.
على الرغم مما شكلته هذه الأزمة من إدانة صريحة لمفاهيم الليبرالية الجديدة واضطرار أركان الرأسمالية العالمية أنفسهم للإدلاء بدلوهم والمشاركة في هذه الإدانة فإن بعض ممثلي هذه الليبرالية في بلادنا، الذين أحرجتهم هذه الأزمة أشد الحرج، لا يبدو عليهم، مع الأسف، أنهم قد اتعظوا بما جرى، إذ إنهم يفضلون اليوم إحناء الرأس للعاصفة بانتظار الفرصة المناسبة للعودة إلى عادتهم القديمة وبالزخم نفسه. ومن الواضح أن ثمة تغييراً ملحوظاً في بعض التصريحات العلنية لهؤلاء ولكن الوقائع على الأرض لا تتوافق مع هذه التصريحات.
فعلى الرغم من بعض الإجراءات الحكومية المتواضعة فإن الأسعار تواصل ارتفاعها الشاقولي الجنوني، في حين تتدنى الأجور الحقيقية باستمرار. ويجري حتى الآن تجاهل المطلب القديم بضرورة وضع سلم متحرك يربط الأجور بالأسعار.كما أن فرص العمل المتوفرة والمحدودة لا تتناسب مع ارتفاع نسبة البطالة. ولا يجري حتى الآن تنفيذ المطلب الملح بإصلاح القطاع العام، الصناعي منه والإنشائي، ويتراجع دور الدولة الاقتصادي والخدمي لمصلحة القطاع الخاص الذي يبشر بعض ممثليه بثقة، وليس دون أساس, بمزيد من الخصخصة. ولا يقتصر الأمر على اختفاء دور الدولة في بعض المجالات الخدمية إذ تختفي فيها أحياناً، وعلى نحو غير مفهوم ولا مبرر، حتّى المنافسة بين مؤسسات القطاع الخاص، ليسود احتكار أحدها، ويدفع المواطنون الثمن غالياً. ولا تزال محاربة الفساد بعيدة عن الاقتراب من رموزه، بينما يزداد الفقراء فقراً والأثرياء ثراء، وتتآكل الشرائح المتوسطة وتنحدر إلى الأسفل. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك كله بتنامي الظاهرات الاجتماعية السلبية.
لذلك نقول إن الملاقاة الرسمية للأول من أيار لا يجوز أن تكون بما جرى التعارف عليه بالاكتفاء بكيل المديح وتوجيه التحيات (للطبقة العاملة الكادحة والعاملين بسواعدهم وأدمغتهم). فالكل يعرف أن هؤلاء هم القوة المنتجة الأهم في الريف والمدينة، والثروة الوطنية الأساسية التي إذا ما جرى الاهتمام المطلوب بها وأحسن (استثمارها) فإن المردود الوطني يكون أضعافاً مضاعفة. لذلك فإن الكلام وحده، وبخاصة في الأول من أيار، لا يسمن ولا يغني من جوع، فالأمر يحتاج إلى سياسات تعطي هؤلاء العاملين حقهم، وإلى قرارات وتشريعات وممارسات تجسدها في الواقع العملي.
لقد أثبت هؤلاء العاملون ويثبتون أنهم مستعدون دائماً، ودون مقابل، للبذل والعطاء عندما يكون وطنهم بحاجة. ولكن لا يجوز أن يطلب منهم أن يعيشوا دون الكفاف، في حين (يجني) البعض الأموال بالملايين بل بأرقام فلكية وبأساليب غير مشروعة. ومع ذلك فلنكن صريحين، ونضيف أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. فهؤلاء العاملون وممثلوهم والمعبرون عن مصالحهم التي هي مصلحة وطنية عليا، يفترض أن يكون صوتهم مسموعاً ويدهم هي العليا ، إلا أن الواقع يقول شيئاً مغايراً في الفترة الأخيرة بخاصة. فالكثير مما أجمع هؤلاء على تقديمه وعرضه في مجلس الشعب أو في المؤتمرات النقابية أو في الإعلام من انتقادات ومن شكاوى لم يؤخذ بها ولا نريد أن نقول إنه أعطيت لها أذنٌ صماء. بل إن من جرى احتجاج واسع على بعض تصريحاتهم أو مواقفهم وممارساتهم قد واصلوا عملهم وكأن شيئاً لم يكن،ولم تؤثر فيهم هذه الاحتجاجات أو تهزهم قيد أنملة.
ولسنا نكتشف البارود إذا قلنا إن السكوت في هذه الحالة ليس علامة الرضا والإقرار.
* رئيس تحرير صحيفة النور السورية