أمن النساء وأمن المجتمع

يعقوب كرُّو قرأها 6
  

أمن النساء وأمن المجتمع

يعقوب كرّو

إن تكريس الأمم المتحدة يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني يوماً عالمياً لمناهضة العنف ضد المرأة، ليس مجرد إجراء أخلاقي دفعت إليه مشاعر إنسانية صرفة، وإنما هو ردة فعل طبيعية، وإن جاءت متأخرة، على وقائع من هذا العنف زادت استشراء وشمولاً بقدر ما زادت أذى ودموية وعلى نحو لم يعد يمكن تحمّل بقائها والسكوت عنها والوقوف مكتوفي الأيدي إزاءها. إذ إن استمرار هذا الموقف السلبي منها أصبح يعني الموافقة عليها أو نوعاً من التشجيع لمرتكبيها والتواطؤ معهم، وبالتالي الاشتراك معهم في الجريمة.

وهكذا فقد أصبح اليوم شديد الإلحاح رفع صوت الاحتجاج عالياً ضد هذا العنف وكشف مخاطره والعمل على استنهاض أوسع القوى من أجل وضع حد له، وبخاصة أنه لا يقتصر على بلد بعينه أو على ثقافة دون سواها، ولا يختص به عمر دون غيره.

والعنف هو أحد أشكال التمييز الذي تتعرض له المرأة لمجرد أنها امرأة، ولكنه (يتميز) بأنه يُعبَّر عنه ويتجسد بأفعال عدوانية متفاوتة الشدة والأذى، سواء تجلى ذلك بأشكال من الشتم والإهانة والتحرش في الشارع، أو بالعنف في نطاق الأسرة، أو تزويج القاصر أو الزواج القسري، أو بالاغتصاب وبخاصة خلال المنازعات المسلحة والاحتلال والحروب الأهلية، وصولاً إلى القتل تحت لافتة ما يسمى بـ(جريمة الشرف).

بداية لابد من الإقرار بأن هذا العنف هو واقع تعانيه النساء والفتيات على اختلاف أعمارهن، وأنه يشكل انتهاكاً فظاً لإنسانية المرأة وحقوقها الطبيعية، وهو بالتالي جريمة لا يجوز التغاضي عنها أو التساهل معها، لأن عقابيلها وآثارها شديدة الخطورة على أمن المجتمع وحياة الوطن ومستقبله.

وأي معنى يبقى لترديدنا عبارة (المرأة نصف المجتمع)، مادمنا نرضى أو نتساهل في بقاء هذا النصف مشلول الإرادة أو غير آمن على حياته واستقراره!

إن المجتمع الذي يُبنى ويُربى على عدم احترام المرأة والانتقاص من حقوقها وكرامتها والتعامل معها بدونية، هو مجتمع فاقد حريته كما هو فاقد الأمان ويبقى مستقبله محفوفاً بالمخاطر.

نحن نعرف جيداً أن المرأة قد حققت الكثير في بلادنا، ولكن لايزال مطلوباً المزيد. ولأن سورية متقدمة في هذا المجال، فإنه لحري بها ومنتظر منها أن لا يبقى في قوانينها أي مظهر للتمييز ضد المرأة.

وفي هذا الإطار نرى ضرورة تعزيز ما اتخذ من إجراءات من أجل توفير الظروف اللازمة لحماية المعنَّفات وتمكين المتعرّضات للعنف من البوح بما يعانينه لمساعدتهن على الخلاص منه. فالعنف المنزلي ليس مجرد قضية أسرية ينبغي التعتيم عليها وإخفاؤها كما يجري غالباً، وإنما هو قضية تمس المجتمع وأمنه أيضا.

والعنف ليس قدراً محتوماً على المرأة لا فكاك لها منه، كما يريد البعض ترسيخه، ولا هو وباء عصي على العلاج والشفاء، ومن حق المرأة أن تتمتع بحقوق المواطنة كاملة كما كفلها لها الدستور، ودون أي تمييز ضدها على أساس الجنس.

من الواضح أن العقلية الذكورية التي سيطرت على المجتمعات منذ عصور طويلة وتوارثتها الأجيال عبر الجينات كما عبر العادات والأعراف والثقافات التي تشربت هذه العقلية، هي المسؤولة الأولى عن استمرار مختلف أشكال التمييز ضد المرأة، وهي الخلفية (الأيديولوجية)، إذا صح التعبير لهذا التمييز. ونعرف بالطبع أن إحداث تحول إيجابي عميق داخل المجتمع في هذا المجال يحتاج إلى عمل تربوي واعٍ ومتواصل، وأن النتائج المرجوة تتطلب وقتاً، ولن تأتي دفعة واحدة. ولكن ما يشكل عائقاً جدياً أمام هذا التحول هو إصرار بعض الحكومات على التشبث بالقوانين التمييزية ضد المرأة، متلطية بذرائع ثبت بطلانها. ومن المؤكد أن الإسراع في إزالة كل ما يكرس التمييز في القوانين سيسهم إسهاماً كبيراً في تسريع التحول المطلوب في المجتمع ويعزز ثقة المرأة بنفسها، وثقة من حولها في الأسرة بها، وهو ما سينعكس إيجاباً على المجتمع بأسره.

وأخيراً لابد من القول إن عملية التحول هذه تحتاج إلى أن ينخرط فيها وتتجند لها أوسع القوى الفاعلة في المجتمع، وهو ما يتطلب من الدولة المساعدة في إزالة كل ما يعيق فعالية مكونات الحركة النسائية ومختلف مؤسسات المجتمع المدني، وتمكينها من تحمّل مسؤولياتها والقيام بدورها المؤهلة له في هذا المجال.

ثم إن الأحزاب والقوى السياسية مدعوة إلى اعتماد نظرة نقدية لمواقفها من قضايا المرأة بما يحقق مزيداً من التوافق بين ما تعلنه هذه الأحزاب من مواقف وتوجهات سياسية واجتماعية تقدمية، وبين المواقف العملية التي تتخذها من قضية المرأة، وبما يعزز من دورها في التطور المطلوب لمجتمعنا.. ذلك أن الموقف من قضية المرأة يصبح أكثر فأكثر أحد أهم المعايير لمدى تقدمية أي شخص أو أي حزب أو حركة أو نظام.