رحل (دكتوري) العزيز!
رحل (دكتوري) العزيز!
بقلم: ماهر الشريف
سألتني ماري مساء البارحة: (هل كتبت شيئاً عن الدكتور نبيه؟)، أجبتها: (أنت تعرفين أنني لا أعرف أن أكتب مباشرة عن عزيز فقدته، فأنا لم أكتب عن محمود درويش إلا بعد أشهر على رحيله)، قالت: (ولكن علاقتك مع الدكتور نبيه مختلفة عن علاقتك مع محمود، فالدكتور نبيه لم يكن بالنسبة إليك رفيقاً وصديقاً فقط، بل كنت تنظر إليه أيضاً على أنه أب!).
لا أعرف إن كنت أنظر إلى نبيه رشيدات كأب، لكنني متأكد من أنني كنت أنظر إليه كمعلم... فمنه، ومن أمثاله القلائل، تعلمت الشيء الكثير... تعلمت كيف يكون الشيوعي إنساناً، وبسيطاً، ومعطاءً، ومنفتحاً، وعروبياً، وأممياً، و...
قبل أسابيع، أنهيت زيارتي القصيرة الدورية لأمي المريضة، وبدأت أستعد لتركها عندما سألتني: (رايح ع المعهد؟)، أجبتها: (لا، رايح زور الدكتور نبيه، هو في المستشفى في غيبوبة بين الحياة والموت)، قالت: (هدا الدكتور اللي كان يجي لعندي يداويني وما ياخد مصاري)، قلت لها: (نعم)، أجابت: (مسكين، والله ما بيستاهل، كان طيب كتير).
الطبيب الإنسان الطيب... هذه هي الصفة الأولى لنبيه رشيدات. ولكن كم يبلغ اليوم عدد الأطباء الذين حافظوا على إنسانيتهم، ولم يتحوّلوا إلى تجار؟ أنا، شخصياً، لم أعرف من هؤلاء الأطباء -وقد تعرّفت إلى كثيرين- سوى اثنين: (دكتوري) نبيه، كما كنت أحب أن ألقبه، وتوفيق البطل.
كنت أتصل به في العيادة لأقول له إنني أشعر بسخونة، أو أعاني من أنفلونزا، فيقول لي: (سأمر عليك في البيت بعد أن أنتهي من العيادة)، كان يدخل إلينا وهو يحمل حقيبته الطبية وابتسامة عريضة على شفتيه، وبعد أن يشرب فنجان القهوة، ويستفسر عن أوضاع الحزب وعن آخر تطوّرات القضية الفلسطينية، يسأل ماري عن أحوالها وأحوال والدها وعن آخر نشاطاتها ونتاجاتها، ثم عن أحوال بيسان ويزن، وأين وصلا في دراستهما. وبعد أن يطمئن على العائلة فرداً فرداً، ينتقل إلى ممارسة مهنته، فيخرج من حقيبته السماعة ثم جهاز قياس الضغط، ثم يعطيني الدواء، ويحقنني بحقنة من الأمل، قبل أن يودعنا عائداً إلى بيته.
كنت أزوره في عيادته، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، فأجده يطالع كتاباً أو يقرأ مقالة في صحيفة، وبينما أكون وإياه نتبادل الحديث عن همومنا المشتركة، تدخل أم مع طفلها المريض، فيبادرها بالسؤال: (خير يا بنتي)، فتخبره بأن طفلها يعاني سعالاً شديداً، فيفحصه الدكتور، ويشخص مرضه، ثم يعطيه الدواء إن كان متوفراً لديه، وقبل أن تغادره الأم تسأله: (كم تريد يا دكتور)؟، فيجيب: (هاتي مئة ليرة إن كان معك). وفي مرات كثيرة، كان (دكتوري) وبحضوري، يستغني حتى عن المئة ليرة.
لم أعد أذكر متى تعرّفت، لأول مرة، على هذا الإنسان الطيب، ابن الباشا القريب من العرش، الذي كان في إمكانه - لو قبل بتغيير قناعاته - أن يكون وزيراً أو موظفاً كبيراً في المملكة. ربما كان ذلك في عام 1983، في أحد اجتماعات الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت تعقد في دمشق. ومنذ ذلك التاريخ حتى رحيله، بقيت تشدني إليه علاقة رفاقية حميمة.
كان يتابع كل ما أكتب، وكنت سعيداً جداً بالاستماع إلى تعليقاته على ما أكتب... كان يتصل بي، ويبادرني بالسؤال: (كيف الهمة يا دكتور؟... الله يعطيك العافية على هذه المقالة... كتابك قرأته وأعجبني... ما هي مشاريعك للمستقبل؟).
نادرون من هم من طراز (دكتوري) نبيه رشيدات.
كان شيوعياً من نوع خاص، يحب الثقافة والمثقفين، يقرأ بنهم، ويرصد كل نتاج، سياسي أو أدبي، جديد، ويكتب المقالة السياسية والقصيدة وكتاب الذكريات، كان خطيباً لا يضاهيه أحد، لم يكن يتخلف عن أي محاضرة جادة حول أي موضوع كان. وبعد مرضه، أصبح منظره محزناً وهو يدخل إلى قاعة المحاضرة يتعكّز بيمناه على عكازه وبيسراه على رفيقة دربه أم عمر.
كان يعتقد بأن على المثقف في مجتمعاتنا أن يمارس السياسة وأن ينضوي في إطار حزب، شريطة أن يحافظ على استقلاليته وروحه النقدية.. عندما عرض عليّ رفاقي أن أعود إلى قيادة الحزب، ذهبت لرؤيته كي أخبره عن ترددي وعن خشيتي من أن يؤثر موقعي الحزبي على نشاطي الفكري والبحثي، فنصحني بقبول تحمل المسؤولية لكن على شرط أن لا أنهمك في العمل السياسي اليومي، فعملت بما أوصاني به.
كان عروبياً صادقاً.. ناضل على مختلف الجبهات مع الفلسطينيين والأردنيين والسوريين. كان النضال الوطني الفلسطيني ومستقبله شغله الشاغل، وعلى الرغم من كل التطوّرات، الإيجابية والسلبية، التي طرأت على هذا النضال في العقود الثلاثة الفائتة، لم يضيّع نبيه رشيدات البوصلة أبداً، بل بقي مؤمناً بحتمية انتصار هذا الشعب، وحريصاً، كل الحرص، على وحدة فصائله في إطار منظمة التحرير.
كان أممياً مبدئياً.. عمل لسنوات، هو الطبيب المتخصص في بريطانيا، في بكين في عمل بسيط في الإذاعة الصينية الناطقة باللغة العربية. أحب الاتحاد السوفييتي، وانفتح على جديد البريسترويكا... ومع أن أمله قد خاب سريعاً في كيفية تعامل قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي مع قضيتَي التغيير والإصلاح، إلا أنه، وخلافاً لكثيرين غيره، لم يعتقد أبداً بأن السقوط المدوي لتلك التجربة الثورية الرائدة كان بفعل مؤامرة خارجية، وإنما كان، في المقام الأول، نتيجة الثغرات المتراكمة على مدى عقود في بنية الحزب والدولة.
رحل أبو عمر.. والحديث عنه يحتاج إلى صفحات وصفحات.. فارقنا نهائياً، لكن ذكراه ستبقى خالدة، وستظل تعاليمه حية.