سنة على غياب محمود درويش: رحل الشاعر وهو يحلم بكتابة "الشعر الصافي"
سنة على غياب محمود درويش: رحل الشاعر وهو يحلم بكتابة "الشعر الصافي"
بقلم: ماهر الشريف
محمود درويش فلسطيني امتهن كتابة الشعر، ونجح في أن يكون واحداً من أهم الشعراء العرب والعالميين. فقد استطاع درويش، كما يرى الناقد المصري صبري حافظ، أن يكون، في آن معاً:
(شاعر قضية) بأرقى معاني هذا المصطلح (فأصبح الشعر وفلسطين معاً، وتماهى الشاعر مع الرمز في كيان واحد)، وأن يكون شاعراً شعبياً (له سلطة واسعة على جمهور الشعر والأدب ترتقي به إلى مرتبة الشاعر النجم)، وأن يكون شاعراً طليعياً (مهموماً بتوسيع أفق القصيدة وإرهاف قدراتها التعبيرية والبنيوية عمقاً ونفاذاً) (صبري حافظ، (من المحو إلى الوجود في قلب العالم)، الآداب، بيروت، العدد 10/11، تشرين الأول-تشرين الثاني 2008، ص 54-59).
الموقف من الشعر ومن الحداثة الشعرية
ومع أن محمود درويش لم يكتب عن طبيعة شعره بصورة مباشرة، وبقي يؤكد باستمرارأنه لا يشعر بالحاجة إلى التنظير لشعره، أو لكتابة (بيانه) الشعري، من منطلق قناعته بأن (الشعر يسبق التنظير)، وأن (نظريته) الشعرية موجودة في قصائده، إلا أن من يتتبع المواقف التي تبنّاها في الحوارات العديدة التي أجريت معه، وبخاصة حواراته مع عبده وازن وعباس بيضون - التي نشرت في صحيفتي (الحياة) و(السفير) ثم صدرت باللغة الفرنسية عام 2006 عن دار نشر سندباد - أكت سود - وكذلك مع فخري صالح (موقع (جهة الشعر) الإلكتروني)، وعبد الصمد بن شريف (القدس العربي، 22 آذار 2005)، يلحظ أن هذا الشاعر الخجول، الذي كان ينظر إلى الشعر بوصفه، إلى جانب الموسيقا، (من أرقى أشكال التعبير الإنساني)، كان يعرف إلى حد كبير ماذا يريد من الشعر وإلى أين يريد أن يصل به.
فكتابة الشعر كانت، في نظره، صناعة تتطلب الموهبة والتجربة من جهة، والحساسية والإتقان من جهة ثانية.ولهذا فهو لم يكن ينشر قصائده من الكتابة الأولى، ولا يؤمن (بأن الوحي الشعري ينزل مرة واحدة)، بل كان يرى أن على الشاعر أن يتعاون مع الإلهام الذي لا يأتي وحده.ورأى أن الكتابة الشعرية مغامرة ليست محسوبة النتائج سلفاً.وإلى جانب الموهبة والحساسية والإتقان، كان على الشاعر، في رأيه، أن يشتغل كثيراً على لغة قصيدته، وذلك على اعتبار (أن لا جمالية شعرية من خارج اللغة)، وأن على النص الشعري، باعتباره أرقى الأشكال اللغوية، (أن يحمي اللغة العربية ويجدّدها).
ويعترف محمود درويش بأنه تأثر بعدد من الشعراء العرب والأجانب، مثل أبي الطيب المتنبي وبدر شاكر السياب وبابلو نيرودا وناظم حكمت وفردريكو غارسيا لوركا وت.س إليوت.فالتأثُّر والتأثير أمران طبيعيان في الكتابة الشعرية، كما ذكر في حواره مع فخري صالح.وما من شاعر قد ينجو من التأثر بمن سبقوه، (فلا أحد يولد من فراغ ليقول إنه لم يتأثر، الذي لم يتأثر هو الذي لم يقرأ، والشاعر الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتب).المهم، كما أضاف، هو أن ينجح الشاعر في أن يجد صوته الخاص، بعيداً عن المؤثرات التي هي حتمية.والشعر، في آخر المطاف، (ليس له وطن ضيق)، بل (هو يتحرك في فضاء إنساني، وفي كل شاعر منا كل تاريخ الشعر).
وعن سؤال الحداثة (المحيّر) وعلاقة شعره بها، رأى محمود درويش، في حواره مع عبده وازن، أن القصيدة تكون حديثة (عندما تنجح في الإصغاء إلى إيقاع الزمن الحديث وتحاول أن تبقي اللغة حية ومتجددة باستمرار)، لكنه لاحظ أن مأزق الحداثة العربية يتجلّى في أنها (متحققة في الشعر وربما في مراكز الشرطة أو الأمن، ولكنها غير متحققة في المجتمع).ورأى أن على الحداثة الحقيقية أن تكون منظومة أفكار تشمل كل مستويات المجتمع وليس الشعر وحده.وبلوغ مثل هذه الحداثة المجتمعية يستدعي - كما أضاف - إعادة النظر في التراث والتاريخ ونقد الذات وفهم العالم الجديد والانفتاح على (الآخر)، إذ لا يمكن، في نظره، الحديث عن حداثة عربية بمعزل عن تأثرها بالحداثة الغربية، شرط أن يكون هذا التأثر (عن طريق الهضم والاستيعاب وليس عن طريق النسخ).وبعد أن أشار إلى أن الحداثة الشعرية ليس في وسعها أن تقوم مقام الحداثة الفكرية والفلسفية والاجتماعية، انتقد (الفوضى الفكرية) التي عُرفت الحداثة بها في العالم العربي، وما نجم عنها من (فلتان شعري)، في ظل غياب الرقابة الأدبية والإبداعية على النشر، كما استغرب حديث البعض عن ما بعد الحداثة في مجتمعات عربية لا تزال تعيش في عصر ما قبل الحداثة.
تطوّر التجربة الشعرية
وعن تطوّر تجربته الشعرية، أشار محمود درويش إلى أن هذا التطوّر قد تمّ من خلال المراكمة، ومرّ بمراحل مختلفة (كان لكل واحدة منها أدواتها التعبيرية وأسلوبيتها)، كما ترافق مع الشعور المستمر (بالقلق والتمرد الدائم على النفس وعدم الاطمئنان إلى التجربة الشعرية)، التي تظل - كما أكد - (في حاجة إلى تجربة وتجريب جديدين، وإلى تجاوز الإنجاز الراهن). وبخصوص تطوّره على مستوى اللغة الشعرية، أشار إلى أن لغته الشعرية لم تعد (تسعى إلى التحرر من طغيان اليومي وحتى السياسي فحسب، بل صارت تسعى إلى التحرر التدريجي المكبوت من تقاليدها ذاتها، ومن تاريخها ذاتها، وقد تتطرف في عملية الدفاع عن مستوى البراءة في الشعر في محاولة الالتقاء مع الواقع من واقع آخر (محمود درويش)، (بيت. ثوم. بصل. ماعز ومفاتيح)، الكرمل، نيقوسيا، العدد 33، 1989، ص: (162-168).
وكان طموح محمود درويش المستقبلي، الذي عبّر عنه في أكثر من مناسبة في السنوات الأخيرة، هو أن يعمل بدأب كي يحقق المشروع الذي لا يتحقق، وهو (البحث عن الشعر الصافي)، أي عن الشعر (المتحرر من عبء التاريخ ومن عبء الواقع)، بما يمنح النص الشعري (قدرات جمالية تسمح له بأن يحقق حياة أخرى في زمان آخر، ليكون ابن تاريخه وليستقل، في الوقت نفسه، عن تاريخه وعن ظرفه الاجتماعي).
والواقع، أن تطوّر درويش الشعري قد تجلّى في التحوّل الذي طرأ على تعامله مع سؤال الهوية، من جهة، وعلى فهمه لعلاقة الشعر بالسياسة، من جهة ثانية.
فسؤال الهوية، الذي واجهه منذ شبابه الشعري، ظل يشغله في كل مراحل تطوّره الشعري، لكنه صار يعبّر عنه بأشكال تعبير مختلفة.من الصحيح أنه ظل مقتنعاً بضرورة قيام الشاعر الفلسطيني بدور (في بلورة الهوية الثقافية وفي حماية الروح من الانكسار)، وبقي يؤكد أن الشاعر الفلسطيني، (مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة، ومع وطنه لأنه ليس محرراً)، ولكنه صار يرى أن هذا الأمر لا يجب أن يلغي حق هذا الشاعر الفلسطيني في التأمل في الطبيعة البشرية والبحث عن تفاصيل الحياة الإنسانية. أما بخصوص علاقة الشعر بالسياسة، فصار يرى أن على الشاعر (أن ينتبه إلى مهنته لا إلى دوره فقط)، من الصحيح أنه ظل مقتنعاً بأن السياسة، في الحالة الفلسطينية، لا يمكنها أن تغيب عن هوامش القصيدة، لكنه بات يعتقد بأن التعبير عنها يجب أن يتم بلغة الشاعر التي تختلف عن لغة السياسي، بحيث (تحمل القصيدة في كينونتها بعداً سياسياً لا أن تكون قصيدة سياسية.
وقد عبّر محمود درويش عن هذا التوتر الذي يعيشه الكاتب أو الشاعر الفلسطيني بين التزامه بقضيته وبين إبداعه الأدبي، في الكلمة التي ألقاها أمام وفد الأدباء العالميين الذي زار الضفة الغربية المحتلة في آذار 2002، والتي ورد فيها:
"لقد قلت أكثر من مرة ما أصعب أن يكون المرء فلسطينياً، وما أصعب أن يكون الفلسطيني كاتباً أو شاعراً! عليه أن يكون صادقاً في التعبير عن الواقع من جهة، وعليه أن يكون مخلصاً لمهنته الأدبية من جهة ثانية.في منطقة هذا التوتر بين حالة الطوارئ الطويلة وبين مخيلته الأدبية تتحرك لغة الشاعر، عليه أن يقاوم الاحتلال بالكلمة، وعليه أيضاً أن يقاوم ما يصيب الكلمة من خطر العادي والتكرار، فكيف يحقق حريته الأدبية في ظروف العبودية؟ وكيف يحافظ على أدبية الأدب في زمن الوحشية؟". (محمود درويش)، (شكراً لأنكم تقاومون الدعوة للرقص على قبورنا)، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 76، خريف 2008، ص 99-100).
وطالب درويش النقاد بأن ينظروا إلى الإنجاز الشعري الفلسطيني بمقاييس أدبية عامة دون أن ينشغلوا بالتدقيق في جنسية هذا النص، مشيراً إلى أن النص، الذي هو نتاج ظرفه التاريخي، (يحمل، حال تشكّله، استقلاله الذاتي باعتباره أدباً).
غير أن تطوّر تجربته الشعرية لم تدفعه إلى التنازل عن مواقف ثابتة بقي متمسكاً بها، ومنها أن الشعر يجب أن يوجهه فكر ما وأن ينطوي على معنى ما.
فهو بقي يرى أن الشاعر (لا يأتي من اللغة وحدها، بل من التاريخ والمعرفة والواقع أيضاً)، وأن (كل تخطيط لقصيدة هو عمل فكري واع). لكن الشعر، مهما كان يحمل من أفكار وأبعاد فلسفية، يجب أن يبدو (كأنه عفوي)، ويجب على الفكرة (أن تتحوّل إلى صورة، والصورة إلى إيقاع). وفي حواره مع عباس بيضون، أكد أن الشعر الكبير (لا بدّ من أن يخترقه فهم أو رؤية ما للكون والوجود، وأن النص الذي لا يحمل تاريخاً وثقافة هو نص هش). لكنه أضاف أن الأفكار في الشعر (يجب ألا تمر بشكل مقولات وإنما يجب أن تتغلغل في النص وتتجلّى عبر الحواس).
وكان من المنطقي أن تسفر نظرة محمود درويش الجديدة إلى الشعر عن تطوّر موقفه من حضور المعنى في القصيدة. من الصحيح أنه رحّب بالأصوات الجديدة في الشعر العربي) التي صارت تشعر بأن عليها أن تكتب ذواتها الصغيرة، مشاكلها الصغيرة، هامشيتها)، وأن تبحث عن المعنى بصورة مختلفة، (بحيث لا يسبق المعنى النص، بل يتجلّى من خلال البحث عنه في داخل النص)، لكنه حذّر، في الوقت نفسه، من (الإسراف في قتل المعنى، بحيث يصبح الشعر الحديث كأنه لا معنى له إلا إنجاز اللامعنى)، لأن التمرد على المعنى إلى هذا الحد (هو تمرد على مفهوم حرية الإنسان ووجوده وإنسانيته).
لقد أراد درويش التحرر من أسر التعريف، الذي لازمه طويلاً، بأنه شاعر فلسطيني متخصص في موضوع واحد هو القضية الفلسطينية، آملاً أن يجعل هويته الشعرية (تسبح في فضاء إنساني أوسع)، وذلك من خلال تطوير فهمه للشعر الوطني ولشعر المقاومة.
ويحاول فيصل دراج أن يقدم تفسيراً لواقع أن محمود درويش، الذي عُرف بـ"شاعر المقاومة الفلسطينية" في بداية مساره، لم يعد يميل إلى هذا اللقب في فترة لاحقة، فيرى أن الشاعر (لم يبتعد عن قضيته الوطنية، كما يظن الوعي القاصر وأنصار النميمة، لكنه تعلّم أن التجربة الفلسطينية، الموزعة على النجاة والغرق، تتطلب أشكالاً مختلفة من المقاومة). ويضيف دراج: (إن سؤال اللغة-الأصل، أي اللغة الجديدة المتجددة التي ترفض التقليد والمحاكاة، دفع به إلى بحث لغوي-شعري دؤوب لازمه حتى اللحظة الأخيرة. وهذا البحث، الذي حمله من حقبة شعرية إلى أخرى، نقله من قصيدة فلسطينية تحريضية إلى قصيدة أكثر اتساعاً وتعقيداً: تتسع للفلسطيني المضطهَد وللمضطهَدين جميعاً، وتتسع لهواجس الإنسان-فلسطينياً كان أم غير فلسطيني) (فيصل دراج، (شاعر المقاومة في جميع الأزمنة)، الآداب، بيروت، العدد 10/11، تشرين الأول-تشرين الثاني 2008، ص 62-64).
فالمقاومة يجب فهمها، كما صار يؤكد درويش، في معناها الواسع وليس الضيق، وذلك عبر أنسنة فعل المقاومة، والكتابة (عن إنسانية الفلسطيني، عن هشاشته وضعفه وخوفه وقلقه، كمركبات من شخصيته المقاومة). وكما لاحظ عباس بيضون، أصبح الموضوع الفلسطيني في قصائد محمود (قاعدة لما يتعداه، لما هو ميتافيزيقي وأنطولوجي)، وتحوّلت الغربة الفلسطينية (إلى أوديسة كونية). وانطلاقاً من هذا الفهم الجديد للمقاومة، صار محمود يرى أن على الشاعر الفلسطيني أن لا يقتصر على كتابة شكواه من الاحتلال والحصار، بل يمكن، ويجب عليه أن يكتب عن الحب، وعن المرأة، التي (تحمل معاني أخرى غير الأرض، والتي يجب أن تكون لها شخصيتها كامرأة)، وأن يكتب عن الوجود وعن الموت والماوراء.
والواقع أن محمود درويش قد كتب أجمل القصائد عن الموت، الذي ارتبط سؤاله، ارتباطاً وثيقاً، بالبعد الوجودي والميتافيزيقي الذي صارت تنطوي عليه قصائده. فإلى جانب رائعته (جدارية)، برز هذا البعد بوضوح في بعض قصائد مجموعته الأخيرة التي صدرت بعد رحيله، والتي حملت عنوان: (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي).
ورداً على سؤال طرحه عليه عبده وازن، في عام 2005، عن مدى خشيته من الموت، أجاب بأنه لم يعد يخشى الموت، بعد أن واجهه، كما كان يخشاه من قبل، لكنه يخشى (موت قدرته على الكتابة وعلى تذوّق الحياة). وعن سؤال الخلود، الذي ورد في إشارته في قصيدة (الجدارية) إلى قدرة الفنون على هزيمة الموت، أكد درويش، في مناسبة أخرى، أن هذه القدرة هي (وهم نختلقه كي نبرر وجودنا على الأرض، ولكنه وهم جميل). من الصحيح أن الإنسان يسجل حضوره في هذه الدنيا من خلال الفن، لكن الخلود - كما أضاف - (هو وهم لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه)، إذ يجد نفسه، في مواجهة الموت، أمام حلين لا ثالث لهما: (إما حل فني، أن يترك أثراً يعتقد أنه هزم به الموت، وهو فعلاً هزم به موته الشخصي، وإما حل ديني، مفاده أنه سيجد الحياة في العالم الآخر).
وفيما يتعلق بالنظرة إليه على أنه شاعر مراثٍ، أشار إلى أنه لا ينظر إلى نفسه على أنه شاعر مراثٍ، لكنه أضاف أنه (شاعر محاصر بالموت)، إذ إن قصة الشعب الفلسطيني كلها هي (قصة صراع الحياة مع الموت، وعلى المستوى اليومي كل يوم عندنا شهداء، الموت عندي ليس استعارة ولست أنا من أذهب إليه كموضوع بل هو يأتيني كحقيقة).
العلاقة مع القراء ومع شعراء فلسطين
وبخصوص العلاقة بين الشاعر وقرائه، أكد محمود درويش أن تطوير الفعل الشعري لا يتم إلا من خلال تفاعل ما بين القارئ والشاعر، وعبّر عن سعادته لتفاعل قرائه المستمر معه ومواكبتهم لتطوّر تجربته الشعرية، منتقداً، في هذا السياق، بعض الشعراء (الذين يستمرئون عزلتهم ويضعونها هدفاً). وأشار إلى أن هذه الثقة التي أعطاه إياها القارئ هي التي سمحت له بتطوير أدواته الشعرية والبحث عن تطوير جماليات قصيدته، وبالتالي (أصبح القارئ أحد نقادي الذين ساعدوني على التطوّر، وأنا كذلك ساعدت القارئ على أن يتحرر من ذائقة شعرية ما نحو ذائقة شعرية أرقى، تكون فيها العلاقة بين الجمالي والإنساني أكثر انسجاماً من الشعر المباشر أو الشعر السياسي الخطابي).
وفي حواره مع فخري صالح، رأى أن العلاقة بينه وبين القارئ باتت علاقة جدلية وحرة وفيها تجاذب؛ فالقارئ (لا يشكّل رقيباً على عملي أثناء الكتابة ولكنه موجود فيّ لأني أعي تماماً أن كتابة بلا قارئ لا تحقق معنى)، مؤكداً أنه لا يقدم تنازلات على المستوى الفني، بل يفخر بأنه اكتسبت ثقة القارئ الذي (صار يصدقني، ولا يعدّ الشعرية الجديدة خروجاً عن جوهري الإنساني والوطني).
والواقع أن محمود درويش، وخلافاً لمن لم يكن يعرفه على حقيقته ويتهمه، بسبب خجله الزائد وحبه للعزلة، بـ(النرجسية) و(التعالي)، كان متواضعاً فعلاً، وينظر إلى إسهامه الشعري المتميّز في إطار إسهامات غيره من الشعراء الفلسطينيين الذين سبقوه أو عاصروه. ففي رثائه للشاعر عبد الكريم الكرمي، كتب محمود:
(فرحت بأبي سلمى كمايفرح الطفل الضائع بأبيه الضائع... أنت الجذع الذي نبتت عليه أغانينا. نحن امتدادكوامتداد أخويك اللذين ذهبا -إبراهيم، وعبد الرحيم الذي قاتل بالكلمة والجسد. لا،لسنا لقطاء إلى هذا الحد. إننا أبناؤكم.
لقد كنت شاعر المقاومة قبل اكتشاف النقاد لهذا التعبير، وقبل تحوّله إلى تعبيرشائع. يحدثنا أباؤنا عن ثوار فلسطين الذين كانوا يحملون سلاحين: البندقية والقصيدة. وكانت القصيدة لك. من ينسى غارتك الشجاعة على عروش الملوك، يوم كان الشعر نديماًللملوك؟ ومن ينسى أغانيك ووقفاتك اليسارية عندما كانت اليسارية مغامرة توصل إلىالمشانق، وتحرم الناس من رحمة الله؟...
يا مغني فلسطين في كل مناخ: في الثورة، في الهزيمة، في التشرد، في المقاومة،وفي العودة.إن بلادك تنتظرك.
ويا أبا سلمى، واصل حبك، ودع الوطن يغنيك.
لم تخسر شيئاً، لم يَضِعْ عمرك سدى.لقد أثبتَّ جدارتك بهذه الهوية الأسطورية:مواطن فلسطيني)
(محمود درويش، (أنت الجذع الذي نبت على أغانينا) (ذكرى)، الكرمل، بيروت، العدد 1، شتاء 1981، ص 223- 225).
وفي مناسبة بلوغ صديقه الشاعر سميح القاسم الستين، كتب محمود درويش: (ليس سميحالقاسم بسيطاً كما قد يزعم دفاعه الدائم عن البساطة. فيه من التركيب والتجريب ماجعله قادراً على استيعاب تجربة الشعر العربي كلها، من العمودي إلى النثري، منالرعوي إلى ما بعد الحداثة، من الأغنية القصيرة إلى النشيد الملحمي، دون أن يحبستعدد خياراته الجمالية في شكل واحد، فليس من مهمة الشعر أن يقدم الجواب الأخير عنقلق الشكل.ليس للشعر إلا أن يقترح. ومن هنا، نجد في ديوان سميح صورة الشعر العربيوخصوبة أسئلته عن تطوّره الدائم.
وكم كنّا نتنافس.كم كان كل واحد منا يتعلم من تجربة الآخر، من موقع صوتهالمختلف، لتطوير قصيدته التي كان يصعب عليها عدم الإصغاء إلى أختها...وكنت، ياسميح، أكثرنا فتوة. صدّقت أن في القصيدة ما ليس فيها. وصدّقت أن في وسع الشعر، ولوكان وحيداً، أن يحارب على جميع الجبهات، الداخلية منها والخارجية.لذا بقيتَ أكثرنافتوة، فتىً في الستين، أو طفلاً في الستين. ولكن قل لي: متى غافلت نفسك وغافلتناوبلغت الستين؟ وهل يكبر الشعراء الذين لا مهنة لهم إلا تجديد شباب اللغة، وفتوةالأمل، وصيانة الروح من الصدأ والملل؟).
(محمود درويش، (إلى سميح القاسم في عيد ميلاده الستين)، الكرمل، رام الله، العدد 60، صيف 1999، ص 3).
وختاماً، فقد بقي محمود درويش، الإنسان، مهموماً، طوال حياته القصيرة، بالهم الفلسطيني ومنتمياً إلى قضية شعبه الوطنية. وظل يدافع عن (حق الفلسطينيين في امتلاك مستقبل أفضل على أرض أوسع، مع الاحتفاظ بحريتهم في الحلم بشيء يبدو مستحيلاً مثل العدل والسلام والتحرر). ومع أن قضية شعبه واجهت في السنوات الأخيرة ظروفاً صعبة، لكنه بقي واثقاً من أن تجربة الشعب الفلسطيني في علاقته بأرضه تثبت (أنه شعب غير قابل للخروج من التاريخ ولا من الجغرافيا كما يحاول الإسرائيليون أن يفعلوا)، وأن الخيارات التي ضاقت على الشعب الفلسطيني قد وضعت هذا الشعب أمام خيارين لا ثالث لهما: (إما الحياة وإما الحياة). وأكد محمود أن من حق الشعب الفلسطيني أن يدافع عن نفسه وأن يقاوم محتليه، معتبراً أن (أول سلاح هو أن يحافظ على ذاته وحقه وهويته، وثانياً أن يلجأ إلى الوسائل التي تحفظ صورته الإنسانية والوطنية ولا تمد المحتل بما يريد لها من تشويش واضمحلال)، بحيث يكون الفلسطينيون (حريصين على التفوق الأخلاقي للضحية، وأن يميّزوا بين صورتهم وحقهم في العدالة وصورة المحتل).
لقد رحل الشاعر، وهو يحلم بأن يحقق مشروعه (المستحيل) في كتابة ما أسماه بـ(الشعر الصافي)، إلا أنه رحل وهو مطمئن إلى أنه قد انتصر بقصيدته، عندما استطاع أن يحرز، بشعره، التفوّق الحضاري والثقافي على (الآخر)، الذي قد يكون قد انتصر (بسلاحه النووي وطائراته).
* * *
إقرأوا أيضاً: