رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام

ماهر الشريف قرأها 6
 

روادالحداثةالمجتمعيةوالدعوةالوطنيةفيبلادالشام

ماهرالشريف

عنوان مساهمتي هذه، التي تندرج في حقل تاريخ الأفكار، هو: رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام. فمع أن خطاب عصر النهضة الأولى، الذي برز في بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قد انطوى على إشارات تتغنّى بماضي العرب وتقدمهم الحضاري في العصور الوسطى،  إلا أنه لم يكن خطاباً قومياً عربياً، على غرار الخطاب الذي صار يتبلور عشية الحرب العالمية الأولى ثم راح يتطبّع بطابع إيديولوجي في أعقابها، والذي انطلق المعبّرون عنه من أن العرب أمة واحدة تمثّل اللغة العربية (روحها)، والتاريخ العربي (ذاكرتها)، وهي تعاني تبعات التأخر، وعليها، كي تندفع على طريق النهضة، أن تتّحد في دولة واحدة تحت راية القومية العربية.

وعليه، فإن الافتراض الذي سأحاول بهذه المساهمة تزكيته هو أن رواد النهضة الشّوام، الذين بات في وسعهم، بعد ما سمّي بصدمة الاحتكاك بالغرب، المقارنة بين التأخر والتقدم على الصعيد الاجتماعي، قد سعوا إلى التنوير بأسس الحداثة المجتمعية، ودعوا إلى اقتباس الوسائل التي ساعدت (الآخر) على التقدم، وذلك على قاعدة الاقتباس المشروط وليس التقليد الأعمى. ومن أبرز هذه الوسائل كانت، في نظرهم، فكرة الوطنية بوصفها رابطة تجمع كل أفراد المجتمع وتوحّدهم بغض النظر عن انقساماتهم الدينية والمذهبية.

تمجيدالماضي:النزعةالعروبية

لقد حاول المثقف التنويري في بلاد الشام، الذي اكتشف مفاهيم الوطن والوطنية والأمة والقومية من خلال احتكاكه مع الفكر الأوربي الحديث، أن يعطي هذه المصطلحات مضامين تتناسب مع واقعه الملموس، الذي تميّز بوجوده في إطار دولة عثمانية تضم أمماً متنوّعة، تتبنّى أدياناً ومذاهب متعددة، وذلك في زمن لم تكن فيه فكرة الانفصال عن هذه الدولة قد نضجت بعد. وبسبب الطبيعة المركّبة لهذا الواقع الملموس، كان من الطبيعي أن تتزاوج في مواقف هذا المثقف نزعات متعددة، عروبية، وعثمانية ووطنية.

وقد برزت النزعة العروبية لدى رواد النهضة الشوام ليس من خلال إشاعتهم لوعي بالانتماء إلى القومية العربية وتطلع إلى وحدة العرب في إطار دولة واحدة، وإنما على شكل لجوء إلى الماضي الثقافي للعرب في العصور الوسطى، ورغبة في إحياء أمجاد التاريخ العربي والإشادة بخصائص اللغة العربية، وذلك بغرض تأكيد أن العرب الذين عرفوا التقدم في الماضي يمكنهم بلوغه في الحاضر. وفي إطار هذا المسعى، كانت ترد في كتاباتهم وأحاديثهم إشارات إلى (أبناء العرب) و(الدم العربي)، وإلى الأراضي العربية في الحجاز واليمن وسورية والعراق.

والواقع أن النزعة العروبية بقيت ملتبسة في مواقف رواد النهضة الشوام، وهو ما نتبيّنه في إشارة بطرس البستاني إلى أبناء وطنه بوصفهم (ذرية أولئك الأفاضل وحفدة معاشر السريان واليونان)، كما نتبيّنه بوضوح أكبر في الموقف الذي تبنّاه ابنه سليم في مقالته: (من نحن ؟). ففي مقالته تلك، المنشورة في الجزء السادس من (الجنان) عام 1870، رأى سليم البستاني أن الجذور العرقية لسكان بلاد الشام، تعود إلى العرب والسريان والكلدان واليونان أو إلى (أخلاط) من (امتزاج تلك الشعوب العظيمة)، معتبراً أن تلك الشعوب، التي ظهرت الأديان بين ظهرانيها والتي عمّمت الصناعة والتجارة، قد أكسبت العالم (مبادئ ما له من التمدن وأسباب الرغد والراحة). ومع أنه قد أشار إلى (واقع انتماء هذه الشعوب ثقافياً وحضارياً إلى العرب القدماء جزئياً)، وذلك من خلال تأكيده دور اللغة العربية بوصفها (أفصح اللغات وأوسعها)، إلا أن جوابه عن سؤال (من نحن؟)، بقي يعبّر، وكما يشير ماجد فخري، عن (مدى الغموض) الذي اكتنف موقفه إزاء مسألة الهوية الثقافية والحضارية لشعوب بلاد الشام، وعن (تردده، على غرار العديد من معاصريه، بين التصريح بالانتماء العربي الصرف وبين الانتماء (الشرقي)).

التمسكبالجامعةالعثمانيةعلىقاعدةالإصلاح:

لم تتجاوز النزعة العروبية لدى رواد النهضة الشوام الحدود التي رسمناها. وقد حذّر بعض الذين درسوا أفكار أولئك الرواد، عن حق، من المبالغة في الحديث عن عمق الأماني القومية وقوتها لدى العرب في الولايات الآسيوية من الإمبراطورية العثمانية، الذين كانوا لا يزالون، حتى أواخر القرن التاسع عشر، غير مهيئين للنزعة القومية بوجه عام. وكما يلاحظ ليفين، فإن وعي الوحدة العثمانية كان راسخاً بقوة في الولايات العربية، الأمر الذي يجد تفسيره في النزوع إلى مواجهة المطامع الاستعمارية للدول الغربية وفي تأثير فكرة الجامعة الإسلامية، التي تبنّاها جمال الدين الأفغاني. ولهذا لم يتخذ النضال ضد الاستبداد التركي شكل المطالبة بالانفصال عن الدولة العثمانية بهدف تكوين دولة قومية عربية، وإنما اتخذ شكل النضال من أجل تحقيق الإصلاحات الدستورية والإدارية داخل الدولة العثمانية.

وكان أديب إسحاق، الذي كان يطلق أحياناً على الشعوب التي تتشكّل منها الدولة العثمانية اسم (الأمة العثمانية)، قد عرّف الأمة بأنها (الجماعة من الناس)، (تتجنس جنساً واحداً)، و(تخضع لقانون واحد) و(تتعارف باسم تنتسب إليه وتدافع عنه). وعنى إسحاق بوحدة الجنس اتفاق الجماعة على الانتساب إلى جنس واحد، لا وحدة العرق أو وحدة اللغة، معتبراً أن الرابطة بين أبناء الجنس الواحد هي (إرادية أو سياسية، لا طبيعية أو عرقية أو دينية). وكان إسحاق من أنصار الحفاظ على الدولة العثمانية متحدة، ومع درء الأخطار الخارجية، لا سيما الأوربية عنها، لكنه كان يرفض الطابع الاستبدادي للحكام العثمانيين وعدم احترامهم لحقوق رعاياهم.

وإذا كان أديب إسحاق قد ركّز، في معرض تطرقه إلى قضية الإصلاح، على (الإصلاح المدني)، فإن عبد الرحمن الكواكبي قد ركّز، في الأساس، على الإصلاح السياسي، فقد أكد ضرورة قيام أنظمة دستورية برلمانية على قاعدة الانتخاب الحر والفصل بين السلطات، ولاحظ بروز (قواعد أساسية)، صارت تتصف بصفة كونية في باب تقرير شكل الحكومة، تأتي في مقدمها قاعدة تقييد الحكومة بقانون (موافق لرغائب الأمة)، يضعه (جمع منتخب من الأمة)، ويتيح لها فرصة (التصرّف في مراتب العظمة ورواتب المال)، ويجعلها مسؤولة (عن تقرير النفقات العامة)، والإشراف على (إعداد المنعة)، ويعطيها حق (السيطرة على الحكومة ومساءلتها). كما أشار إلى ضرورة انحصار السلطة في القانون (إلا في ظروف مخصوصة مؤقتة)، ومساواة الجميع أمام القانون، الذي هو أحكام (تتساوى لديها كل طبقات الناس وله سلطان نافذ قاهر)، وإناطة مسؤولية إقامة العدل بالقضاة (المصون وجدانهم من كل مؤثر، والذين يتمتعون باستقلالية تامة)، وعدم تدخل الحكومة في أمر الدين (ما لم تنتهك حرمته)، وعدم جواز الجمع بين وظائف السياسة والدين والتعليم (منعاً لاستفحال