فجأة طرق مهرجان دمشق المسرحي أبواب وزارة الثقافة ومديرية مسارحها، فداهمهما بالعروض وبالضيوف وبالجمهور..
وبكثير من المفاجآت على نحو تستحق الدورة الثانية (بعد الغياب) لمهرجان دمشق المسرحي أن تسمى بالدورة المفاجئة (مفاجئة إلى حد القهر).
أول غيث المفاجآت كان في غياب الإعلان عن المهرجان، إذ صمتت دمشق (ولم تزل) عن البوح بمهرجانها، مكتفية بلافتات قماشية وضعت لترحب بالضيوف على أبواب المسارح.. ولولا أن المسرح عشاقه لأعلن المهرجان منذ أيامه الأولى إفلاسه الجماهيري. ثم جادنا غيث المهرجان، بدءاً من حفل الافتتاح الذي لسبب ما (نعرفه ولا نريد ذكره لا خوفاً وإنما خشية توثيقه في صحافتنا) قدم موعده، واقتصر على فقرات بعينها غاب عنها لسبب ثان (هذه المرة نخجل من ذكره أيضاً) فقرة للمايسترو حسام الدين بريمو كانت مقررة في الحفل ، ليحل مكانها (على طريقة السندويش أسرع من الطبخ) عرض (السندباد) لفرقة إنانا... وسواء حضرت إنانا أو حسام الدين بريمو..يبقى السؤال مشروعاً: لماذا لم تعد فقرات فنية خصيصاً لحفل الافتتاح، ولماذا افتقد المهرجان مخرجاً يقوم على تنظيمه (رغم عشرات المخرجين على ملاك المديرية)...؟! أسئلة ستبقى أسيرة أفكار ومشاريع لم تكتمل..
ويبقى الحال على ما هو عليه: استقبلت دمشق فرحتها المسرحية ناقصة، واستقبل ضيوف المهرجان (أو بعضه) بالمقابل فرحة إضافية فوق الفرح المسرحي، فقد كان عرس دمشق في ذلك اليوم عرسين (الأول مسرحي، والثاني على سنة الله ورسوله).
(إزيَّك .. وحشتني يا درش) :
بدأ حفل الافتتاح بجزء من عرض فرقة إنانا الراقص الأخير (السندباد) في بانوراما جالت خلالها الأجساد الراقصة عبر السندباد عدداً من البلدان العربية. ثم عرض فيلم قصير عن تاريخ دورات مهرجان دمشق المسرحي منذ تأسيسه حتى دورته الأخيرة، فيلم افتقد لمادة أرشيفية حقيقية كشفت على نحو ما الإهمال في الإدارات المتعاقبة للمهرجانات، إذ بدا واضحاً افتقار مديرية المسارح لذاكرة (الصوت والصورة) كافية، وربما عدم اهتمامها بالأمر برمته... وبكل الأحوال مر الفيلم بسلام، واستحق صُنَّاعه التحية لمعاناتهم في جمع مادته الوثائقية.
وبعد الكلمتين الرسميتين لراعي المهرجان ومديره، كُرِّم عدد كبير من المسرحيين الرواد. في التكريم اختلطت المشاعر الإنسانية، صفقت الأكف كثيراً لتيسير السعدي ورفيق الصبان اللذين لم تقوَ أقدامهما على حملهما فوق الخشبة، وفوق الخشبة. وقف شيوخ الفن المسرحي العربي منهم لينين الرملي، د. هدى وصفي، نور الشريف، توفيق فياض، توفيق الجبالي، يوسف العاني، عبد الكريم برشيد، ثريا جبران، رفيق السبيعي، عبد الرحمن آل راشي، تيسير السعدي، د.رفيق الصبان..وآخرون.
المشاعر الإنسانية الكثيرة، التي رسمت حدودها سنوات العمر والتعب الذي بدا على وجوه عدد من المكرمين وفرض وجود كراسي على منصة التكريم، لم تكن وحدها، كان ثمة مشاعر أخرى تسيطر على المنصة، إذ اجتمع الأصدقاء (الرسمي والمسرحي) فوقها، فكان الكثير من العناق و كثير من القبلات الحارة التي تجاوزت حدود العلاقات البرتوكولية نحو علاقة (إزيَّك .. وحشتني يا درش) .
في الحقيقة علاقة (وحشتني.. إزيَّك) بدت هي ميزان المهرجان الأساسي، وإلا فمن وضع مخرجاً مسرحياً مثل توفيق الجبالي في الصفوف الخلفية للمهرجان؟ ولماذا ضاقت الصور حتى لم تتسع إلا للإخوة (إزيَّك) ومعظمهم هجر المسرح منذ زمن ليتزوج السينما ولاحقاً التلفزيون.
المهم..النبض على النبض:
حال هذا الميزان فاض أيضاً في نهاية حفل الافتتاح، إذ ترك المسرحيون لخشبات عروضهم، واقتيد الآخرون (الفنانون) إلى جهة معروفة، حيث شاركوا في فاعلية أخرى. اختلطت أوراقنا فلم نعرف من أقيم على هامش الآخر هي أم المهرجان...وأين المشكلة؟ ثمة من سيدافع، فوجهة الفنانين المعروفة كانت صوب مكان لا يبعد كثيراً عن مسارح المهرجان، أي أن نبض المسارح كان قريباً من نبض قلوبهم التي تفيض حباً لمسرح جاؤوا إلى مهرجان دمشق من أجله، وربما سيغادرونه دون أن يحضروا عملاً مسرحياً واحداً فيه. ولا ينتهي فيضان علاقة (وحشتني..إزيَّك) عند هذه الحدود، بل يتجاوزها إلى العشاء الذي أقيم على شرف ضيوف المهرجان. وقد قيل إن برد دمشق هذه الأيام لا يزيحه سوى دفء دمشق القديمة، فكان فراغ مطعم (الخوالي) الضيق أكثر اتساعاً من أي مطاعم المدينة حتى لو اضطرت وفود للاعتذار، وعادت وفود أخرى بعد دقائق معدودة من وصولها إلى (الخوالي) رغم أن بيت الضيق يتسع لألف صديق.. هم على كل حال ليسوا أصدقاء..كأنهم أصدقاء.
الزير من البير
ثم بدأت أيام المهرجان.. وخلفه وقف في التنظيم والإعلام لجنة عليا يوحي تكوينها ومطالعة أسمائها بأنها جاءت لتخرج (زير الإبداع من بير المسرح) بعد أن ضمت أعضاء من العيار الثقيل (مديري التلفزيون والإذاعة و..) وهي أسماء تعد نظرياً بمستوى عال من التنسيق والتنظيم والإدارة وسواها.. إلا أن تلك الأسماء حضرت على الورق و لاحقاً في كشوف حسابات المهرجان، بينما غابت (أو غاب تأثيرها) فعلياً عن أي من مظاهر المهرجان ليقع عاتق تنظيم كل شيء، وربما مسؤولية الفشل فقط (لأننا جميعاً آباء للنجاح)، على عاتق مدير المهرجان وفريق عمله (بعضهم لا جميعهم) من المديرية. وقد بدَوْا جميعاً الوحيدين في خط المواجهة الأول، ووحدهم فقط...وعليه ستبقى مسؤولية تأخر مطبوعات المهرجان (إعلانات، وكتب وبطاقات..) على الإدارة وحدها، وسيبقى (لوغو) المهرجان (أبدع فؤاد دحدوح في تصميمه) أسير البطاقات والصور دون أن ينزل إلى الشوارع في أفيشات إعلانية، وسيبقى ارتباك البرنامج وتغيير أماكن العروض.. سيبقى كل ذلك في رقبة العاملين الحقيقيين في المهرجان.. ولهم فقط تقديرنا رغم كثير من نقاط الخلاف بيننا، ويبقى السؤال وحيداً: لماذا تتربع هذه الأسماء (الكبيرة) على نَفَس المهرجان، ومن المسؤول عن وضعهم، وهل تحتاج التغطية التلفزيونية إلى المهرجان لكل هذه المجاملات، وأين هي اللجنة العليا، لا حضوراً (حضورهم يذكِّرنا بنجوم مصر الذين غالباً ما يحضرون للسياحة في دمشق على حساب المهرجان) وإنما تخطيطاً، وما الذي أنجزوه..؟ شخصياً لم ألمح أياً منهم، وعلى كل حال من يريد أن يعترض على كلامي ويؤيد فاعليته من أعضاء اللجنة العظيمة فليتقدم ويتحمل بشجاعة مسؤولياته في (كركبة المهرجان وأخطائه وسوء إعداده) .. أو فليصمت؟
المهرجانات كثيرة .. والبركة بالمنصة:
وإلى جانب الأسماء الكبيرة التي شرفتنا بقبول تسجيل أسمائها في اللجنة العليا للمهرجان، سنعيش موجة تعرف على أسماء جديدة في عالم الإخراج، و في عالم الإعلام والصحافة.. أسماء جعلت من المهرجان بروفة ساخنة وجديدة لمستقبلها المأمول كما وعدها به شعار المهرجان.. فجاء من (يجرب) مسرحه على خشبات المهرجان (لا نعمم هنا فالتعميم ظالم، وقد تابعنا عروضاً لافتة للبعض)، كما تمرس خلاله عدد من (طلبة) المعهد في الكتابة الصحفية والنقد اللاذع..(مش مهم، المهم الفرصة..أما الخبرة وواقعية التعامل ووضع ميزان النقد في نصابه فليأتِ على مهل.. المهرجانات كثيرة يا أخي والبركة بالمنصة).
وللجمهور نصيبه..من المهرجان:
الجمهور سيكون على موعد مع مفاجآته الخاصة أيضاً على نحو سيكون لزاماً عليه أن يراجع فندق الشام ليتأكد من وقت عرض مسرحيته أو أن مكانها لم يتغير، وإن لم يكن كذلك فليتحمل مشقة الذهاب إلى المسرح وتلقي الاعتذار أو أوامر نقل العرض من ورقة بيضاء متروكة على باب المسرح.. وهكذا كان القاسم المشترك بين كل أصدقاء المسرح (متأكد أنه تم تغيير العرض، إذا غيروا العرض خبِّرني).
وفي المهرجان لا يلزم هذا الجمهور بطاقة دعوة أو شراء بطاقة لدخول المسرح فالدعوة عامة، وعامة جداً، وفي هذا أمر جميل، ولكن لكل مسرح طاقته، وما عدّه البعض (غلاظة) من دار الأسد للثقافة والفنون بإغلاق أبواب مسارحها بعد أن تملأ المقاعد نعده (رغم نقاط اختلافنا مع الدار) فعلاً حضارياً عالي المستوى. فمن حق الجمهور أن يتابع عروضه باسترخاء، ومن حق الفنانين أن يقدموا عرضهم أمام جمهور مسترخ وهادئ.. على كل حال هذا لم يحدث، فقد تحولت المسارح إلى علبة محشوة بالجمهور يضيق المكان بها ويقل فيها الهواء (ونيال المدعوم).
وحدها الخشبة بقيت أمينة لمهرجان دمشق المسرحي، وقد ضمت عروضه المسرحية وعشاقها منذ اليوم الأول وبعد حفل الافتتاح مباشرة، وهذه نقطة تحسب للعاملين الحقيقيين في المهرجان، كما تحسب لهم الجهود التي بذلوها في استقدام نحو خمسة وعشرين عرضاً، ضمت العديد من العروض المتميزة نذكر منها عرض الجبالي (هنا تونس) والعرضين الفلسطينيين (الجدار والجدارية) والعرض المغربي (أربع ساعات في شاتيلا) والقبرصي (ميديا) والأردني (آخر منامات الوهراني)... إضافة إلى استضافة عدد كبير من المسرحيين العرب تم الاستفادة من عدد منهم في حوارات وورشات عمل مع طلاب العمل، إضافة إلى الندوة المركزية (الشباب مستقبل المسرح العربي) التي اختارت ثلاثة محاور لها (المسرح في ظروف العولمة- نحو مسرح عربي جديد- دور السباب في النهوض بالحركة المسرحية) بإدارة وتنظيم الدكتورة ماري إلياس.
هذه العروض وصناعها المبدعون تركت جميعها لجمهور المهرجان، وبعيداً عنها استأثر (الآخرون) بكل ما بقي، على نحو بدا المهرجان على ضيق نفسه التنظيمي يتسع لجميع الأصدقاء ولبرامجهم الخاصة والعامة وللسهرات وللجولات و... ويضيق فقط بالمسرح وعروضه.