الخيانة والعنف والسلطة
تتميز مقاربة النخبة المثقفة للواقع الراهن بشيء من فقدان الذاكرة إزاء الماضي القريب..
من الأمس القريب: لجأت أنظمة عربية بالتحالف مع أمريكا إلى استدعاء حالة إسلامية عنفية "جهادية" ضد اليسار في الداخل والشيوعية في الخارج ورعت وشجعت وموَّلت هذه الحالة العنفية.. في سعيه لإضعاف اليساريين والناصريين الذين يسيطرون على الجامعات شجع السادات، الذي كان في تحضيره لقلب الرؤية السائدة عن الصراع مع إسرائيل وعن الممارسة السياسية والاقتصادية السابقة للنظام، ورعى صعود الإسلاميين في الجامعات ليكونوا رأس حربة ضد اليساريين.. يومها كان أئمة من منابر أخرى يلعنون ويكفرون العلمانيين والملاحدة الشيوعيين والنصارى واليهود وعباد القبور ويدعون عليهم بالدمار .. يومها رعت هذه الأنظمة حالة مماثلة من "الجهاد" ضد التدخل السوفييتي في أفغانستان ووصل الأمر بريغان آنذاك أن سماهم "المدافعين عن الحرية" في وجه إمبراطورية الشر..
الآن مع انفلات العولمة الأمريكية وسعيها لفرض نموذج واحد على العالم على أنه نهاية التاريخ أنه الحق المطلق المنزه عن أخطاء كل المشاريع الإنسانية التي سبقته انقلبت الأمور وأصبحت هذه الحالة العنفية بحاجة إلى كبح سياسي فكري وأمني لتتماشى مع مقتضيات العصر الأمريكي.. هذا الاختزال لممارسة العنف والحق باستخدامه بيد السلطة والخارج الأمريكي "الديمقراطي" واعتبار كل ما دون ذلك عنفاً "إرهابياً" غير مشروع ينقلب على رعاية النظام العربي الرسمي والرعاية الأمريكية للعنف المعادي للشيوعية واليسار في مرحلة الحرب الباردة ويريد إعادة قراءة مشروعية اللجوء للعنف وصياغتها باتجاه تركيزها في أيدي النظام والجيش الأمريكي بالحصر..
يريد هذا التحول أن يستند إلى حسن نوايا أمريكا ورسالتها الحضارية لدمقرطة العالم بالقوة وكونها ضمانة التطور والتقدم البشري والحرية الإنسانية وهذا يرتبط بفتح الباب على مصراعيه للبيبسي كولا والسيارات الأمريكية ومطاعم الفاست فوود الأمريكية كرموز حاملة لهذا النموذج من الحضارة "المنفتحة الحرة" رموز الهيمنة الاقتصادية الثقافية الأمريكية.. من الممتع تأمل هؤلاء الذين كانوا يأخذون على الماركسيين نسبتهم الفعل الثقافي "الراقي" إلى الحالة الاقتصادية المادية كيف يصمتون اليوم عن هذا الإسفاف الاستهلاكي في الثقافة والسياسة والحياة عموماً.. إن الخطاب النيو ليبرالي للعولمة يرى في تركيز القوة العسكرية الماحقة بيد أمريكا بما في ذلك السلاح النووي ضمانة لأمن العالم و استقراره ويقر باستخدام الأنظمة المتحالفة مع أمريكا للعنف من واقع أنها مستهدفة كالمركز الأمريكي من الغوغاء الإرهابيين الذين يرفضون رسالة التحضر الأمريكية.. كان دور الخطاب الفكري والسياسي في فترة الحرب الباردة تبريري إزاء العنف والقمع تجاه الآخر وتغييب إرادة الشعوب بحجة الدفاع عن الحرية.. الآن يقوم الليبراليون الجدد بإعادة إنتاج ذات الخطاب من الممارسة العنفية الأمريكية ضد الشعوب وضد أعداء اليوم حلفاء الأمس..هذا الاستنساخ لمنطق القهر والقمع يريد أن يقسم هذا القتل والقهر قسمين أمريكي ديمقراطي ومعادي إرهابي الذي كان قد وصفه أصحاب الخطاب ذاته بالمدافعين عن الحرية في تلك الأيام.. وهكذا يقوم الليبراليون الجدد بإدانة القتل العشوائي الذي يقوم به الإسلام الجهادي في مقابل السكوت عن الإجراءات القمعية في غوانتانامو وأبو غريب وسجون الأنظمة العربية الموالية لأمريكا أو اعتبارها ضرورية ضد خطر الإرهاب الأصولي، هكذا تجري إعادة صياغة موقف تلفيقي زائف من قهر الإنسان وقمعه واستلاب وعيه.. الآن يجري اللجوء لأئمة من طراز آخر يشترطون موافقة ولي الأمر في أية حالة استخدام للعنف حتى الدفاعي ضد العدوان دون أن يلزموا ولي الأمر هذا بأي شيء وكأن الأرض والبلاد هي ملك شخصي لهؤلاء وكأن الشعوب قطعان تساق هذا مع عدم اشتراط أية طريقة لاختيار ولي الأمر فلا يطلب أن يكون منتخباً من الناس أو قابلاً للمحاسبة منهم مما يبرر حالة الأمر الواقع: أنظمة القمع والقهر الأنظمة التي استخدمت الإسلام الجهادي بالأمس لخدمة أغراضها..
النخبة المثقفة تسوِّغ الخروج والتمرد على السائد حتى لو اتهم هؤلاء الخارجين بالخيانة.. حسناً.. مَن هو الذي وضع قوانين اللعبة السياسية ومفردات الرؤية السياسية للداخل والخارج ومن الذي انقلب عليها؟..إنه بتركيز شديد النظام العربي القهري ذاته.. خرج السادات ذات يوم بمبادرة لحل الصراع مع إسرائيل وذلك بعد أن رأى أن حقيقة الصراع مجرد خلاف على الحدود وليس أكثر من حاجز نفسي يمكن تدميره وتجاوزه بزيارته الشهيرة إلى تل أبيب.. فجأة قرر طرف في النظام العربي الرسمي الذي كان يتحدث عن صراع جوهري مع الوجود الصهيوني المغتصب في فلسطين أن يغير سياسته بهذا الشكل الجذري وعلى هذه الدرجة من الخطورة دون أي يتمتع بأية شرعية حقيقية وطنية أو ديمقراطية دون أن يتوِّج ذلك حراكاً سياسياً مجتمعياً حراً بل هو تتويج لتحولات طرأت على بنية وولاءات هذه الأنظمة .. كان السادات وريث نظام عبد الناصر ورغم الرتوش الديمقراطية التي أضافها على نظامه لم يكن يمثل خياراً شعبياً ولم يملك تفويضاً ديمقراطياً رغم العطف الذي يتمتع به من الليبراليين الجدد بسبب موقفه من أمريكا و إسرائيل وشرعيته كانت شرعية الأمر الواقع التي أقامه وكرَّسه باستخدام الإسلام الجهادي ضد اليسار والناصريين.. إن النظام العربي الرسمي هو من يريد أن يمتلك الحق المطلق بالتصرف بالأرض والتاريخ والجغرافيا وتزييفها وإعادة تركيبها كما يشاء وتشاء أمريكا ويصادر حق المجتمع وكل التيارات في مقاربة قضايا خطيرة في تحديد حاضر ومستقبل البلد والوطن والمؤسف والمريع أن أناسا يدَّعون الليبرالية يرون في هكذا قهر وتغييب للمجتمع ضمانة للتقدم وحماية للديمقراطية رافعين قهرنا السابق والقتل العشوائي الذي تمارسه قوى الإسلام الجهادي نتاج سياسات تلك الأنظمة كقميص عثمان.. إن الجماعات الإسلامية التي شجعها وحتى ساهم في تأسيسها السادات وتلك الأنظمة قامت بمحاسبة تصرفات النظام بالمنطق الذي استخدمته ضد اليسار والذي رعته وشجعته تلك الأنظمة يومها المنطق ذاته الذي تريد الأنظمة وأمريكا حصره بها اليوم..
إن واجب النخبة المثقفة هو مساءلة ونقد السائد والسعي على فتح الباب أمام التغيير الديمقراطي رغم اتهامات التخوين والتكفير لا أن تكون في ظل وأثر السلطة وهي تقوم بتغيير يافطاتها الفكرية والسياسية لخدمة ذات الغرض وهو إدامة سيطرتها على المجتمع وخدمة تغيير اصطفافاتها الفكرية و السياسية لا سيما إلى جانب المشروع الأمريكي و تكريسا لسائد واحد في حقيقة الأمر هو هيمنتها على المجتمع وحراكه..
هنا يجب أن نحدد ما نعنيه بالديمقراطية كما نراها تمثل الشعوب وتخدم مصالحها ومصالح الأوطان وتخدم قضية التقدم والتحرر وهي بالضبط رفض هذا المنطق من العنف والقهر والقمع والاستقواء على المجتمع والشعوب من أي طرف جاء ورفض الانتقائية في حق استخدام العنف ضد الفكر والرؤية السياسية المعارضة ورفض الوصاية على المجتمع تحت أي إدعاء جاء لأن أية وصاية هي في المحصلة حالة تلفيقية منافقة تستخدم مفردات الديمقراطية خارج معناها خدمة لمصالح ضيقة غريبة هجينة عن أرضنا سواء جاءت من أنظمة القهر أو أمريكا أو جماعات العنف والقتل العشوائي.