المثقف، السلطة والخارج
في لحظة تاريخية خاصة تجتاح فيها خيول المغول البلاد مقتربة من بغداد كان المثقف العقلاني يسعى في تناقض شبه تام مع الخطاب السائد في الشارع باحثا عن بصيص أمل للتغيير الذي يراه حاملا للانعتاق.. كان الطوسي* نموذجاً للمثقف الذي يعتمد نسقاً فكرياً عقلانياً أساساً لرؤيته عن العالم والذي أوغل في تجاربه العلمية وبحثه العقلي مبتعداً عن ثقافة الجماهير التقليدية.. كان الطوسي عالماً هاماً إضافة لكونه مفكراً إسماعيلياً كبيراً .. كان يمثل المثقف العقلاني الذي لا يقيم الحاكم حسب قوميته بل حسب الفكر الذي يمثله وربما حسب قربه أو بعده عن الممارسة المستبدة الجائرة.. العز بن عبد السلام** يمثل المؤسسة الدينية التقليدية التي ترى مصلحة المجتمع من زاوية جد مختلفة فهو يقبل الحاكم القوي الظالم الذي يرد العدو ويحفظ بلاد المسلمين من الغزو الخارجي ويقيم الحد الأدنى من المظاهر والشعائر الدينية.. كانت طبيعة الصراع مع الصليبيين قد أعاد شعبية الخطاب الإسلامي التقليدي من جديد وهمش الفرق ذات الخطاب العقلاني التي سبق أن شكلت تهديداً حقيقياً لسطوة الخطاب التقليدي.. كان وقوف الطوسي إلى جانب هولاكو أملا بهز السائد و فتح الطريق لتغييره في مواجهة عودة سطوته على الوعي الجمعي.. كان هولاكو وأي حاكم عربي مسلم على درجة واحدة بالنسبة للطوسي فيما كان الأمر مختلف لابن عبد السلام.. المؤسسة الدينية تمكنت بالتحالف مع بعض الأمراء، وبتعبئة الشارع، من تهيئة الظروف لصد الغزو المغولي ومن تحجيم نقاط ضعف الدولة الإقطاعية التي فتح ضعفها وعجزها الباب أمام الغزاة.. سيقف ابن خلدون ابن مدرسة الفقه المالكي صاحب المقاربة العقلانية المشهورة للتاريخ موقفاً مشابها للطوسي أمام تيمورلنك.. بين اليأس من الجماهير (التي سبق أن احتضنت أو استجابت لدعاة هذه التيارات في الماضي) والرغبة في التغيير وكره الحاكم وازدراء الخطاب السائد وجد الطوسي نفسه إلى جانب هولاكو مستدعياً تغييراً يعكس اتجاه الأحداث.. لكن هذا لم يكن ليغير حتمية اتجاه الأمور باتجاه ظهور دول بدأت مع الأيوبيين وصولاً إلى المماليك وأخيراً العثمانيين دولٌ زاوجت بين الفروسية الإقطاعية والخطاب الإسلامي التقليدي.. دول أمكن لها أن تتصدى للغزو الأجنبي و لكن على حساب الجمود على صعيد الفعل الثقافي والحضاري الذي رافق صعود نجم هذه القوى والدول.. أصبح الخطاب الإسلامي التقليدي الشكل الأساسي للوعي الجمعي وتراجعت الفرق ذات المضمون العقلاني إلى جزر وسط المحيط السني محورة تلك الأنساق الفكرية إلى شكل تعاليم منغلقة توقفت عن التأثير والتأثر.. بقيت الأمور على هذا الحال حتى اصطدم المجتمع باحتلال جديد متفوق هذه المرة ليهز الشرق النائم وليعيد من جديد (وإن بزخم أشد) التناقض بين حاجة التطور الذي يكتسب صفة الحداثة و بين الرغبة في الدفاع عن الداخل.. بين المثقف الحالم بالتغيير المعزول واليائس وبين الشارع الذي يستفزه الغزو القادم ويجد ملجأه الروحي ومصدر قوته في الخطاب الإسلامي التقليدي والمؤسسة الدينية التقليدية وذلك في ظل صراع تريد فيه أصولية يهودية مدعومة غربيا أن تحقق مشروعها الاستيطاني الاستعماري لاغتصاب الجغرافيا والتاريخ ليس فقط بالقوة بل باستخدام درجات استثنائية من الوحشية في ممارسة العنف ويمين محافظ يتحكم بالقرار في القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأعتى في العالم يقرأ الصراع العالمي في شكل صراع حضارات لا يقبل بالآخر ويريد إعادة تشكيل العالم حسب رؤيته للعالم بما يضمن دوام تفوقه كونيا.. يبقى السؤال كبيرا أمام المثقف بين تغيير يعد به الخارج شرطه الاحتلال ومصادرة القرار الوطني وبين مقاومة تريد التصدي للخارج الذي لا يقبل بغير فرض تصوره وقهر المجتمع سياسيا واقتصاديا لكنها مقاومة لا تكترث كثيرا لقضايا التطور وتجاوز التقليدي.. الإحباط الذي يتملك المثقف ويأسه من التغيير يدفعه للهروب من قمع السياسي في الداخل إلى وهم التغيير المفروض من الخارج ويبقي فعله في دائرة التبرير لممارسات هذا الخارج.. الثقافة حتى الآن هي فعل عاجز كسيح غير قادر على التغيير ويبقى في دائرة التبعية للسياسي الذي يمتطيه في سبيل انتصاره الذي يعني فيما يعنيه استمرار دوره المركزي في المجتمع سواء أكان يمارس القمع من الداخل أو من الخارج.
*نصير الدين الطوسي، العالم والفلكي والمفكر الاسماعيلي، الذي انضم إلى حاشية هولاكو وأصبح من العناصر الهامة في دورة الأحداث التالية في الشرق
** العز بن عبد السلام، أحد أهم علماء الدين الإسلامي المصريين في فترة التصدي للغزو المغولي ولعب دوراً هاما في تعبئة الناس خلف الأمير قطز.