ثـامار... ( تقاسيم... على أوتار قصة "ثامار ويهوذا" الواردة في العهد القديم )
ثـامار...
( تقاسيم... على أوتار قصة "ثامار ويهوذا" الواردة فيالعهد القديم )
د. شفيق يازجي
ثامار..
أيتها الحسناء المتكئة على شجرة بين الكروم، فيك تكمن الحياة كما الزيتون، والخلود كما عتيق العنب... أيتها العروس في البرية، الصاعدة كعمود من بخور المتوجة بجدائل الحسن، الكاشفة عن فسحات الجمال، لأجلك اشترى كبير القوم يهوذا الخوابي والمؤن ومفارش العسل، وحفّظ ابنه عير القوافي ورقيق الكلام وجمَع الزهور وأنواع الورود وألوان العطور لتمثل بين يديك، ليكون له الى قلبك معبر، لأجلك فرش الموائد وأشعل الشموع، وصلى بخشوع، لتكوني عروساً له، وليدخل برفقتك كتاب الله المقدس، وليخلد الى جانب كنعانية، سوداء الضفائر، فحمية العينين، تعرف ما تريد، وتدرك الطريق الأقرب، لسيدة مثلك الى عرش الخليل، ولأم للقادمين من ملوك الشرق...
ثامار.. أيتها الزهرة الجميلة على سعف النخيل، المغسولة بماء الينابيع، المجبولة من تراب أرض الزعتر والسّليق والجرجير والهندباء البرية.. أيتها الكنعانية المتمردة على قوانين الناموس، الناطقة بلسان الحرية وأسرار القلب، الجريئة في مجالس النساء الخجولة، ومحاكم القضاة الوقورة، لقد اختارك الشيخ الجليل لتكوني كنته، واختار معك رائحة التين والصبّار، والشعر المنقوع بالعطر والحنة، والفم المعطر بالنعناع، والأرداف المعمدة بماء الورد والياسمين وندى اللبلاب، والساقين المنذورين لماء البحر وشمس الحصاد ومواسم الحب، أيتها المرأة صاحبة صرة البلسم والمر والليمون بين ثدييها، لتخضب رداءها الأزرق، وتنبعث منه رائحة الإغواء والسحر، يا ذات القامة العشتارية، يا زهرة يليق بها اسم ثمرة التمر التي تزهر حتى في الصحراء وتحمل أحلى الثمار، حملتِ أفكارك على أجنحة، وأنت تعرفين ما تريدين، ابنا من سلالة يهوذا الشيخ ينمو في رحم كنعانية وتكون له القوة والحكمة وهكذا كان لك، والحلم أضحى حقيقة، رغم غياب عير وتقاعس أونان، فالأب الشيخ مازال يحنُّ الى الصبا والجمال، والإيقاعُ به يحتاج الى ذكاء ابنة معبد بعل ووريثة حضارة آرام، لكي يسقط بين ساقيك العاجيين، ويسلم غطاء الرأس والعصاة والخاتم، أي رموز الملك بأكملها، وهو لايعرف أية فاتنة أنت، أأرملة؟! أم عاهرة عامة ؟! أم مومس في معبد ؟! أو ربما يعرف ويتجاهل أمام قوة بهائك، وربما كان يحسد ابنه الأول عير على زواجه منك، أو الثاني أونان على مضاجعتك...
ثامار أيتها الشقية العبقرية، لقد فرضتِ نفسكِ على التاريخ، وجعلت شيخ المشايخ ينحني ويصلّي للإله بعل بين ساقين من مرمر، لتعودي الى أهلك تحملين جنينا في رحمك، إبناً ليهوذا وحفيداً ليعقوب وابن أخ ليوسف، أي وريثاً للمجد والقداسة والجمال، وتَدَعي الحلم يكبر في أحشائك، عدتِ ومازال العبق يفوح من صرة صغيرة في صدرك، وفي يدك صرة أكبر بها رموز الملك، عدت رافعة الرأس فلديك ماتقولينه، ففي بطنك الحلم الكبير، وفي قبضتك أدلّة تثبت أبوته، وبرهان لايختلف فيه القضاة، نعم لقد اختفى عير ابن يهوذا وترمَّلتِ، ولكن الحلم لم ينته، فضاجعتْ أونان أخاه الثاني، فصفعك بالقاء بذرته على أرض الخيمة، ورغم هذا وذاك فالحلم لم يمت في قلب كنعانية تملك حكمة العقل وجرأة القلب وشباب الرحم، فقطعتِ الطريق على حميكِ الشيخ المتعطش للجمال، متخفية وراء نقاب لئلا يعرفك، كاشفة عن مواطن الاغراء في جسدك، مطلقة العطر النسائي الممزوج بعرق الثديين، ليدور في رأسه عند اقترابه منك...
نعم لم ترغب ثامار بالمتعة، وانما بالأمومة، فدونها الموت، حتى ولو كانت من شيخ هرم كيهوذا، ولم تهتم بلذة المعاشرة، وانما بنتائجها ان كُتِبَ لها النور، من سلالة تحملها بذرة هذا الرجل، وعندما أحس بالضعف الذكري طلبت منه المقابل، فعرض جدياً، ورهن غطاء رأسه وعصاه وخاتمه، مقابل مايخبئه هذا الجمال، دون أن يعرف من هي خليلته، أو ربما دون أن يرغب في أن يعرف، بما لا تسمح له به شريعة السماء... و ثامار التي تعرف ما تفعل وما تريد، عندما تبدو عليها علائم الحمل دون زوج، تساق الى المحكمة، وتمثل أمام قضاة رأسهم والد ابنها، وبكل شجاعة، وفي يدها صرة الحقيقة برموزها الملكية، تثبت نسب ابنها، وتنجو من الموت حرقاً، وبجرأة الحق تواجه مُدينيها، وتربح الحكم، والأب يعترف، والحلم يتحقق، فمن بذرة يهوذا ورحم امرأة كنعانية، ولد توأم، ومنهما ولدت أجيال، من بينهم ملوكٌ مثل داود وسليمان ويسوع... أما نحن العشاق الحالمون يا ثامار، فمازلنا نبحث عنك، لنصلي تحت سراجين من العيون السود، وبين ذراعين من قصب وسكر، ولنتعلم كيف نرسم الأحلام وكيف نملكها.
Ch.yazigi@yahoo.com