قمة الكبار والنظام الاقتصادي العالمي

بشَّار المنيِّر قرأها 18
  

قمة الكبار والنظام الاقتصادي العالمي

بشّار المنيّر

اجتمع قادة الدول الرأسمالية الكبرى في ضيافة الرئيس الأمريكي (الراحل قريبا)، بعد أن وسعوا دائرتهم المغلقة بدعوة بعض البلدان النامية (الكبرى) كالهند والبرازيل، وظهر الجميع أمام عدسات المصورين وهم يتبادلون الأنخاب. وسيصدر عن القمة ما يعتقده البعض (مشروعاً لنظام اقتصادي رأسمالي أكثر انضباطا).

الهدف الرئيسي كما سبق أن مهدت له تصريحات الزعماء الأوربيين هو: إنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد متعدد الأقطاب، لا تحركه أصابع القطب الأمريكي الأوحد الذي قاد الاقتصاد العالمي منذ ثمانينيات القرن الماضي، مستنداً إلى نهج ليبرالي محدث قلب مفاهيم الاقتصاد رأساً على عقب، وتسبب باندلاع أزمات اقتصادية واجتماعية، وحروب استباقية تفوح منها رائحة النفط وفرض النفوذ، دفعت الشعوب في البلدان النامية على وجه الخصوص ثمنها غالياً.

لكن مجموعة من الأسئلة تنتصب أمامنا ونحن نحدق بأصحاب الفخامة.. قادة المال العالميين الباحثين عن النظام العالمي العتيد:

1-     هل كان من الضروري أن ينتظر قادة العالم الكبار الانهيار الكبير في 15/9/2008 للتيقن من خطورة النهج الاقتصادي لليبرالية الجديدة الذي أباح للرساميل المالية التلاعب بالاقتصاد العالمي و تهديد الاقتصاد الحقيقي القائم على إنتاج السلع وتبادلها، ويطلق يد الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات لتخترق الحدود والحواجز..؟

ألم تتراجع أجور العمال المكسيكيين إلى الثلث.. ويرتفع عدد الأُسر تحت خط الفقر بنسبة 60% في بريطانيا..ويخسر ملايين العمال في إندونيسيا ونمور آسيا وظائفهم.. في نهاية تسعينيات القرن الماضي..؟

ألم يرتفع عدد ضحايا المجاعات المصاحبة لفرض برامج الليبرالية الجديدة على البلدان النامية إلى مليار جائع، بعد تحويل اقتصادات هذه الدول إلى مراكز محيطية للشركات العملاقة..؟

ألم يتضرر المزارعون الأوربيون، ومزارعو الدول النامية بعد أن رفض القطب الأمريكي الأوحد وقف الدعم المالي للمحاصيل الأمريكية البالغ 40 مليار دولار سنوياً..؟

ألم يشتمَّ هؤلاء القادة رائحة النفط تفوح من المخططات الأمريكية المعدّة لغزو العراق، ومحاربة الإرهاب، والهيمنة على الخليج العربي، وتطويق أوربا الشرقية وآسيا الوسطى بأنظمة حليفة وصواريخ نووية عابرة للقارات..؟

2-     إن النظام الذي يبحث عنه القادة الكبار يتطلب ليس فقط إنهاء هيمنة القرار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، بل تحويل المؤسسات والهيئات العالمية المرتبطة به كالمصرف الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، من منظمات سياسية برداء اقتصادي، تروِّج لهيمنة النهج الليبرالي المدمر، وتسوغ استباحة الرساميل المالية لأسواق العالم، وتضع القيود أمام التجارة العالمية العادلة والتطور المستقل لبلدان الجنوب، إلى منظمات اقتصادية تهتم بتنمية العلاقات الاقتصادية بين دول العالم وفق أسس تراعى فيها مصالح الجميع، وبخاصة الدول النامية الساعية إلى تطوير مستقل لاقتصاداتها الوطنية بعيداً عن البرامج المسبقة الصنع في مخابر وزارة الخزانة الأمريكية.

ألم تنتصر منظمة التجارة العالمية للإدارة الأمريكية في عام 1996عندما صوَّت الاتحاد الأوربي على منع تصنيع الهرمون الاصطناعي من لحم البقر، إذ ثبت أنها تتسبب بمرض السرطان والإقلال من خصوبة الذكور؟ لكن شركة الكيماويات الزراعية الأمريكية (مونسانتو) واتحاد أصحاب قطعان البقر الأمريكي، الذين تضررت مصالحهم العالمية نتيجة لهذا القرار دفعاً الحكومة الأمريكية إلى تقديم شكوى لمنظمة التجارة العالمية التي أصدرت قرارها لمصلحتهم، وعندما رفض الأوربيون تنفيذ القرار خولت منظمة التجارة الولايات المتحدة وكندا فرض عقوبات تجارية ضد الدول الأوربية تجاوزت 125 مليون دولار. (راجع صحيفة الغارديان 30 تشرين الأول 1999).

لقد تدخل المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي طوال عشرين عاماً في الاختيار الحر لمنظومة من البلدان المستقلة، بإرغامها، تحت طائلة حرمانها من المساعدات والهبات والقروض، على إعادة هيكلة اقتصاداتها وفق اقتصاد السوق الحر من كل القيود، وتخصيص قطاعها الإنتاجي والخدمي، وفتح أسواقها أمام منتجات الدول الكبرى، وتخفيض مبالغ الدعم الاجتماعي للفئات الأقل دخلاً. وهاهي ذي أحداث الانهيار الكبير في 15/9/2008 تسقط كل الدعائم التي ارتكزت عليها سياسة الليبراليين الجدد، والهيئات التي روَّجت لنهجهم الاقتصادي، لذلك فإن إصلاح هذه المنظمات يعدّ في صلب عملية إصلاح الاقتصاد العالمي.

3-     لقد فرضت الليبرالية الجديدة قوانينها.. وأزالت كل ما يعيق انتقال الرساميل المالية بين سوق وآخر.. بين قارة وأخرى، لكن هذه الرساميل لم توجه كما يبدو للبعض للاستثمار في القطاعات الإنتاجية بقدر ما وُجهت للعب في البورصات العالمية سعياً وراء أرباح سريعة.. واقتناص صفقات استثنائية. ومنذ عام 1985 ارتفعت قيمة تداول العملات الأجنبية والأوراق المالية على المستوى العالمي إلى ما يزيد على عشرة أضعاف، وخلال يوم واحد تجري في يومنا هذا عمليات بيع للعملات الأجنبية بقيمة تبلغ في المتوسط تريليونَيْ دولار حسب إحصائيات مصرف التسويات الدولية، وتعادل هذه القيمة مجموع الناتج الوطني الإجمالي في ألمانيا، وبقيمة مساوية يجري تداول الأسهم وسندات الدَّين الحكومي.

لقد خرجت الاقتصادات الوطنية عن سيطرة الحكومات.. وشعر الناخبون بأن القادة قد تحولوا إلى كومةٍ من الأيدي المقيّدة، فهم لا يستطيعون تنفيذ وعودهم الانتخابية، ويرقصون على أنغام الشركات الكبرى. إن الناس يدللون على عدم رضاهم بالامتناع عن التصويت، وهذا الموقف لا يمكن تفسيره إلاّ بخيبة أمل الناخبين من الديمقراطية النيوليبرالية التي قلبت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية رأساً على عقب لصالح أقلية محدودة تمتلك الأسهم والسندات والحسابات المصرفية الفلكية.

لذلك فإن إصلاح النظام الاقتصادي العالمي يقتضي بالدرجة الأولى وضع الضوابط لتنقل الرساميل المالية بين الدول كي تتوجه إلى الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، وتساعد على توفير فرص العمل للمتعطلين، وتساهم في تطوير اقتصادات بلدان الجنوب ليس عن طريق اختراق أسواقها ومصارفها بل بالمشاركة في إقامة الصناعات الأساسية، وتوفير البنية التحتية، وتحديث طرق الزراعة التقليدية مما يسرع اندماج هذه الدول في الاقتصاد العالمي، ويعود بالنفع على الشعوب في هذه البلدان، وعلى الشركات المستثمرة.

4-    بعد أن ابتعدت الحكومات عن التدخل في حرية الأسواق (المقدسة) تنفيذاً لوصايا الليبراليين الجدد، تتالت الأزمات الاقتصادية واحدة تلو الأخرى، وهاهو ذا الرئيس الفرنسي يصرح (إن الأزمة وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحرة، وفكرة أن السوق دائماً على حق كانت فكرة مجنونة). كذلك أدان القادة العالميون هيمنة الأسواق الحرة الطليقة من كل القيود على الاقتصادات العالمية، فهل يضع قادة القمة العشرون القواعد الملائمة لعودة الحكومات إلى التدخل في الحياة الاقتصادية لضمان استقرارها ..؟

هل يستطيع القادة المجتمعون في واشنطن التحول إلى أقطاب..؟ هل من السهولة بمكان نزع أختام الملك من يد سدنة الهيكل النيوليبرالي..؟ الوقائع المستجدة بعد الانهيار الكبير ترجح موقفاً موحداً للمجتمع العالمي يتناقض مع الإدارة الأمريكية المسؤولة عن الكارثة، أما نحن فنرجح اتخاذ القمة مجموعة من الإجراءات الإصلاحية تنصب على الجانب الائتماني من قطاع المال دون الدخول في عمق الأزمة العالمية وأسبابها.

ملاحظة:

كُتبت هذه المقالة قبل صدور بيان عن اجتماع قمة الكبار. وقبل دفعها إلى النشر، صدر البيان المنتظر الذي يؤكد (تشديد الرقابة على المصارف العالمية الكبرى، ودراسة فرض حدود على أجور المصرفيين، والسعي لتحقيق انفراج في محادثات التجارة العالمية بنهاية العام الجاري في إطار (خريطة الطريق) لإعادة بناء النظام المالي العالمي الذي عرقلته الأزمة. وعقب الرئيس الراحل بوش على أعمال القمة بأنها ناجحة (إذ اتفق الزعماء على سياسات تقوم على السوق الحرة وتعزيز النمو).

إذا كانت هذه شهادة بوش عن أعمال القمة، فاستعدي يا شعوب العالم لمزيد من الأزمات.