نمط جديد لحياة السوريين

بشَّار المنيِّر قرأها 6
 

درج السوريون على طرح تساؤلٍ بصيغة تنمُّ عن الاستهجان في كل أمر يجدونه مخالفاً لما تعودوا عليه، لاسيما ما يتعلق بمستوى حياتهم المعيشية (أين الدولة..؟) وهذا التساؤل انسحب بعد ذلك حتى على القضايا التي لم تتدخل فيها الدولة في يوم من الأيام، وذلك تدليلاً على اعتماد المواطن على تدخلها في عمله.. وأجوره... وتلبية مستلزماته اليومية.. وحل مشكلاته الاجتماعية.. وفي آخر المطاف تدبير مكان لإقامته الأبدية.

وبطبيعة الحال، فإن المواطن السوري لم يسعَ إلى مشاركة الدولة في كل كبيرة وصغيرة بحياته.. ولم يُخيّر يوماً بالتقرب من الدولة.. أو الابتعاد عنها. لقد تم ذلك بتدابير من فوق.. فصار خبز المواطن سياسة عليا لا يتقنها (الفران)، وزراعة الأرض خطة استراتيجية من أين لفلاح أن يفهمها.. إذ يجب أن تنسجم مع المخزون العالمي للخيرات. أما إقامة منشأة اقتصادية فيجب دراستها من حيث تأثيرها على نمو الرأسمالية العالمية.. ودورها في تعزيز النضال السياسي للنقابات، وعن وجود هذه السلعة أو تلك في السوق وتحديد سعرها، فيتعلق بقلق الدولة على صحة المواطن وماله. فالموز والمحارم الورقية، كانت تعتبر ترفاً لا لزوم له في فترة من الفترات التي مرت على السوريين، والسمنة الحيوانية وُزعت بالبطاقة العائلية خوفاً من اعتياد الناس على استعمالها، مما يسبب لهم أمراض الكوليسترول.. والشحوم الثلاثية. وهكذا تشابكت الدولة وأجهزتها المتفرعة بكل تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوري خلال فترة تقارب الخمسين عاماً.. دون عقد موقع بينهما.. بل بقرار من فوق..! فلا الحكومة كانت شريكاً.. ولم تدّعِ ذلك.. ولا المواطن تمتع بأفضليات الشريك ولم يطالب بها..! واكتفى الاثنان بتأدية الدور الموكل لكل منهما.. من فوق، فلا الرأسمالية دُحرت.. ولا الاشتراكية سادت.

ماذا تغير في هذه العلاقة..؟ وما الذي يدفع الدولة حالياً للانسحاب شيئاً فشيئاً من وظائفها التي درجت على القيام بها، والتي يأتي في مقدمتها الحفاظ على مستوى معين لمعيشة المواطن السوري، وعدم السماح بتدهور وضع الفئات الشعبية - وهي تشكل الأكثرية - إلى مستوى البحث عن لقمة العيش..؟ أي إعصار اجتاح الأسواق السورية التي كانت تضبط فيما مضى بإشارة من مسؤول، فجعلها عرضة لآلية قديمة.. جديدة اسمها العرض والطلب لترتفع أسعارها فقط -دون أن تعود للانخفاض- وتعجز كل الأجهزة المخصصة لمراقبة الأسواق عن السيطرة عليها.. بل عن تفسير هذا الارتفاع..؟ هل قررت الدولة الاستغناء عن دورها الرعائي..؟

إنه اقتصاد السوق، النهج الجديد للحكومة السورية.. بعد عقود من الاقتصاد الموجه الذي راوح في المكان، دون أي محاولة لتطوير البلاد في زمن التكنولوجيا المتطورة.. واختصار المسافات، إنه اقتصاد السوق، الذي يوصي به كل علماء الاقتصاد في العالم.. وكل صناديق المال والمصارف وبيوتات الأسهم والسندات العابرة للقارات، إنه اقتصاد السوق الذي يحدد سعر السلعة بقيمتها الحقيقية دون دعم.. ودون طوابير.. ودون محاباة لفئة من المجتمع -حتى ولو كانت فقيرة- إذ يجب الحفاظ على آليات السوق وضمان سيادتها دون تدخل الدولة. على تكريس مفاهيم وآليات السوق من خلال مجموعة كبيرة من التشريعات، فخفضنا الضرائب على أرباح سادة الاقتصاد الجدد.. وخفضنا الرسوم الجمركية، وسمحنا باستـيراد الكماليات، وأسسنا المصارف وشركات التأمين الخاصة والبورصة.. وحررنا التجارة. وظهرت فئة في مجتمعنا السوري تلعب بالملايين.. بل بالمليارات، لكننا لم نفعل شيئاً لموازنة الدخل مع الأسعار التي حلقت عالياً بفعل قوانين السوق..! لقد ازدادت الأسعار بنسب تتراوح بين (20 - 60 %) للمواد الغذائية، وبين (20- 30%) للألبسة، وحسب تصريـح السيد وزير الاقتصاد فإن 77% من دخل المواطن يذهب للأغذية والألبسة، والنسبة الباقية تتوزع على التعليم والتنقل والخدمات والتدفئة.. إلخ. أما الأجور فقد ازدادت في العام الماضي حسب أرقام الحكومة بمعدل 13% للعاملين في القطاع العام. أما لدى القطاع الخاص فبقيت الأجور كما هي دون زيادة.

ويتساءل المواطن عن الآليات التي ستسمح للحكومة بمراقبة السوق..؟ إن التشريعات والقوانين على أهميتها تبقى قاصرة عن التأثير على عناصر السوق إذا لـم تترافق مع وجود أداة فاعلة تعيد إلى السوق توازنه المختل بفعل الاحتكار أو اختلال العرض لسبب من الأسباب، وهذه الأداة في حالتنا نحن في سورية هي القطاع العام، الذي تستطيع الحكومة من خلاله تقديم السلع والخدمات لجماهير الشعب بالأسعار المعقولة وبهامش ربـح بسيط. وقد أثبتت التجارب في الماضي أن هذا القطاع يمكنه تقديم خدماته في أحـلك الظروف التي مرت على بلادنا، لذلك طالبنا ولا نزال نطالب بتقوية هذا القطاع وتخليصه من المشكلات التي يعانيها. ورغم تصريحات أعضاء الفريق الاقتصادي عن قرب معالجة أزمات هذا القطاع، وضرورة مساهمته إلى جانب القطاع الخاص في العملية الاقتصادية، إلاّ أن المماطلة ما تزال تحكم حل هذا الموضوع الهام.. والمصيري لفئات الشعب السوري الأكثر فقراً.

والآن، وبعد إعلان الحكومة عن البدء بإعادة توجيه دعم المشتقات النفطية لمستحقيه، والارتفاع المتوقع لأسعار جميع السلع والخدمات بنسب تفوق كثيراً ما تتوقعه أجهزة الحكومة، إلى من يلجأ المواطن..؟ هذا المدحور من جنة الدعم والرعاية، وهل تتناقض عملية تطوير الاقتصاد السوري وإصلاح البيت مع طموحه إلى حياة حرة كريمة..؟ هل من الضروري أن يترافق تحسين والاقتصاد السوري وتطويره مع سياسة إفقار للفئات الشعبية..؟

ألم تصدر الأمم المتحدة إعلاناً عن حق الإنسان في التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، والتحسين المستمر لرفاهيته دون تمييز، والتوزيع العادل للفوائد الناجمة عن عملية التنمية الاقتصادية؟ (نشرة المجلس الاقتصادي للأمم المتحدة -نيسان  2004).

إن المواطن هو الغاية من جميع السياسات والمناهج الاقتصادية والاجتماعية التي ترسمها الدولة، وإن الحكم على تلك السياسات يجري بالاستناد إلى مدى تحقيقها لحريته.. تعليمه.. وتأمين عمله.. وعدالة توزيع ثروته الوطنية.. وقفزات نموه المعلنة. فإذا تجاهلنا هذه الحقائق فسيتحول اقتصادنا إلى اقتصادٍ للنخبة... للقطع الكبيرة، للشركات الكبيرة، وسيطيح بكل ما هو اجتماعي، في اقتصاد السوق.. الاجتماعي.

نحن مع الجهود التي تبذل لإطلاق الاقتصاد السوري إلى مجالات أرحب وإدماجه في الاقتصاد العالمي.. لكننا مع مواطننا السوري الشريف الساعي إلى تحقيق حلمه في مجتمع الرفاه والعدل والأمن. لذلك لا يجوز تغليب قفزات النمو الاقتصادي. وإعطاؤها الأولية على حساب مصالح الفئات الشعبية من أبناء شعبنا.. فهي الأساس في إنجاز هذه القفزات.

وأخيراً، إذا أرادت الحكومة الانسحاب من شراكتها مع المواطن السوري.. فقد اختارت أسوأ الأوقات.. حافظوا على مصلحة المواطن السوري وكرامته.. فهو كنز الوطن.