شيئاً فشيئاً بدأ المشككون في تأثر الاقتصاد السوري بمفاعيل الأزمة الاقتصادية العالمية يعيدون حساباتهم، لقد راحت السكرة وجاءت الفكرة.
والذين توقعوا انعكاساً طفيفاً لهذه المفاعيل أعادوا النظر أيضاً بتوقعاتهم على ضوء بعض المؤشرات التي بدأت بالظهور، كانخفاض أسعار النفط، وتراجع الكميات المصدرة من الفوسفات والنسيج، وتجميد بعض صفقات القطاع الخاص، والتوقعات التي يطلقها البعض عن مرحلة جمود، وربما تراجع في الاستثمارات الداخلية والخارجية، وانخفاض في تحويلات السوريين من الخارج، إضافة إلى توقعات الصناديق الدولية التي تتلخص باستمرار الركود الاقتصادي وانخفاض الأسعار، وتراجع نسب النمو، ودخول الاقتصاد العالمي في مرحلة انكماش قد تستمر عامين أو ثلاثة. واللافت أن بعض الذين أعادوا حساباتهم يتولَّوْن إدارة الاقتصاد السوري، الأمر الذي جعلهم يطلقون النفير، لكن إطلاق النفير لا يعني شيئاً. وتشكيل خلايا أزمة للتدخل عند اللزوم لا يحل المسألة، بل أصبح من الأهمية بمكان تدخل القيادة السياسية للبلاد لإجراء مراجعة شاملة لمسيرة الاقتصاد السوري بشكل موضوعي بعيداً عن نسب النمو التي يتفاخر البعض بتحقيقها، والتي لا تعني المواطن السوري شيئاً إذا لم تنعكس زيادة في دخله، وتحسناً في مستوى معيشته. بل على ضوء ما حققته.. وما لم تحققه هذه المسيرة في سياق تنفيذها للنهج الاقتصادي الذي اعتمدته القيادة السياسية، وهو اقتصاد السوق الاجتماعي، وكيف انعكست السياسة الإصلاحية على حياة السواد الأعظم من المواطنين السوريين الذين يمثلون الفئات الفقيرة والمتوسطة، التي عانت خلال الأعوام الخمسة الماضية أزمات معاشية واجتماعية صعبة جعلتها تشكك في الطابع الاجتماعي للنهج الاقتصادي السوري. هذه المراجعة يجب أن تأخذ بالحسبان أيضاً الدروس التي يتوجب استخلاصها من الأزمة الاقتصادية العالمية، والأسباب التي أدّت إلى اندلاعها والتي تتلخص بسيادة أفكار الليبراليين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوربية التي أدت إلى انهيار اقتصادهم الريعي القائم على تشجيع الرساميل المالية، وتهميش الاقتصاد الحقيقي كالزراعة والصناعة، ومحاباة الطبقات الثرية على حساب تواضع الدعم الموجه للفئات المتوسطة والفقيرة.
إنّ هذه المراجعة التي ندعو إليها يجب أن تتركز، حسب اعتقادنا، في الإجابة على السؤال التالي:
هل ما زال التوجه المعتمد لمسيرة الاقتصاد السوري هو اقتصاد السوق الاجتماعي..؟
إن طرح السؤال ليس عبثياً، والإجابة عنه تعني الكثير للمواطن السوري. فإذا كان الجواب إيجاباً فالمواطن يسأل هنا: أين الاجتماعي..؟ وإلى أين حمل مسؤولو الاقتصاد هذه المسيرة..؟
1. انخفضت حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج من 22% عام 2000 إلى 18% في عام 2006، وهذا يعني أن الدخل الناتج عن الربح والريع والفائدة يزداد على حساب الدخل الناتج عن العمل. وبلغ عدد المواطنين الذين لم يتمكنوا من تغطية احتياجاتهم الأساسية من المواد الغذائية بين عامي 2003 و 2004 نحو مليونين و20 ألف فرد، أي ما يوازي 11.4 % من عدد السكان. وارتفع معدل الفقر في البلاد خلال العامين المذكورين ليصبح 30.12% ، أي نحو خمسة ملايين وثلاثمئة ألف مواطن. وبلغ متوسط حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 1326 دولاراً في عام 2007، وهو أقل من متوسط دخل الفرد على الصعيد العربي البالغ 2429 دولاراً، وأنفق العشر الأفقر من السكان نحو 3.5% من إجمالي الإنفاق عام 2007، في حين أنفق العشر الأغنى نسبة 8ر24% .
2. تجاوز عدد الداخلين إلى سوق العمل 200 ألف شخص سنوياً، بمعدل نمو 4% تقريباً، ومن المتوقع استمرار هذا الوضع خلال السنوات الخمس القادمة على أقل تقدير. فقد بلغ عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل 322 ألف شخص خلال الفترة بين عام 2005 والربع الأول من عام 2007، في حين قُدرت فرص العمل التي حققها الاقتصاد السوري، وفيها اقتصاد الظل وفرص العمل غير المستقرة التي يوفرها، نحو 228 ألف فرصة عمل خلال الفترة ذاتها. وعلى افتراض صحة هذه التقديرات فإن ما مجمله 94 ألف شخص أضيف إلى عدد المتعطلين عن العمل الذي بلغ 407 آلاف في عام 2005، ووصل إلى 595 ألفاً في عام 2007. وهذا الرقم يعادل 13% من قوة العمل. (راجع تحليل الاقتصاد السوري 2005-2007، هيئة تخطيط الدولة).
3. ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 50 %، والإيجارات 40 %،والمواد الاستهلاكية 70%، والخدمات وبضمنها أجور النقل 45%. ورغم زيادة الأجور بنسبة 25% فإن المواطن السوري الذي يعيش من دخله الناتج عن قوة عمله عانى تدهوراً خطيراً في مستوى حياته المعيشية، وخاصة بعد رفع أسعار المشتقات النفطية. والمفهوم الجديد للدعم الاجتماعي الذي يحاول بعض أعضاء الفريق الاقتصادي للحكومة تمريره بناء على نصائح المؤسسات الدولية، والذي يختصر الدعم الحكومي بعملية التعليم والمساعدة الصحية، والابتعاد عن الدعم الذي يؤثر على استقرار السوق الحر وآلياته، كزيادة الأجور بنسبة تعادل مستويات زيادة أسعار المواد الأساسية، ودعم أسعار بعض المواد ذات الاستهلاك الشعبي الواسع، أو مستلزمات الإنتاج لقطاعي الصناعة والزراعة.
4. حافظت الصناعة التحويلية على نسبتها المتواضعة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 2008 بحدود 11%، وتناقصت حصة الزراعة من 21% عام 2006، إلى أقل من 17% في عام 2008 وانخفضت الإيرادات من الفوائض الاقتصادية للقطاع العام من 133 مليار ليرة في عام 2006 إلى أقل من90 ملياراً في عام 2008، يأتي معظمها من أرباح المصارف الحكومية، ومؤسستي الاتصالات والتبغ. وتبين أن النمو الذي يسوّقه البعض ويتباهو بالحديث عنه، إنما جاء من نمو القطاعات الريعية كالعقارات والمشاريع السياحية والفندقية التي استأثرت بنسبة 75% من إجمالي الاستثمارات الخاصة خلال العامين الماضيين والبالغة نحو تريليون ليرة سورية!
5. تحولت التعددية الاقتصادية في نظر البعض إلى تفرد للقطاع الخاص، وبخاصة بعد تراجع مساهمة القطاع العام الصناعي في مجمل النشاط الاقتصادي، ومماطلة الحكومات المتعاقبة في إصلاح نحو 260 مؤسسة وشركة عامة ذات طابع اقتصادي. ويبدو أن المطلوب في هذه المرحلة حسب رؤية هؤلاء إعدام القطاع العام وما يمثله من تدخل للدولة في العملية الاقتصادية، وحرمان المواطن السوري من إيجابيات.. التعددية الاقتصادية وأفضلياتها!.
6. يبدو أن بعض مسؤولي الاقتصاد الذين تستند رؤيتهم في تطوير الاقتصاد السوري على مبادئ الليبرالية الاقتصادية (بغياب الليبرالية السياسية) قد ضاق ذرعاً بكل ما من شأنه تنفيذ الشق الاجتماعي للتوجه الاقتصادي للبلاد. وخاصة بعد أن بدأت آليات السوق بإنتاج مفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية، كظهور الفئات الثرية الجديدة، والشركات القابضة العملاقة، والشراكات المحدثة مع الرأسمال العربي والأجنبي، وعودة بعض المؤسسات والصناديق الدولية إلى ممارسة نشاطها في البلاد، وابتعاد الدولة عن التدخل في العملية الاقتصادية، وتضاؤل دور النقابات ومنظمات المجتمع المدني. لذلك باتوا ينظرون إلى الرعاية الاجتماعية للفئات الأقل دخلاً على أنها عائق أمام استكمال سيادة اقتصاد السوق الحر، وكثيراً ما تجاهلوا هذا الشق الاجتماعي أثناء توصيفهم لمسيرة الإصلاح الاقتصادي في البلاد.
لذلك كله، بات من الضروري إجراء هذه المراجعة لمسيرة الإصلاح الاقتصادي، وتحديد مساره بطريقة تسمح لمسؤولي الاقتصاد بالاجتهاد ضمن السياق العام لهذه المسيرة وليس تجاهلها وأخذها بعيداً عن أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.