هجوم أوباما يكشف حجم الكارثة
هجوم أوباما يكشف حجم الكارثة
بشار المنيّر
(إنه قانون ضريبي مليء بالثغرات. . قانون يسمح لكم بدفع ضرائب أقل إذا وفرتم فرص عمل في بنغالور بالهند وليس في ولاية نيويورك). وتابع الرئيس أوباما هجومه الذي شنه منذ أيام على الواحات الضريبية وقانون الضرائب الذي يخدم الأثرياء: إنه قانون يسمح للشركات والأفراد عدم دفع الضرائب المستحقة عليهم بسبب وجود هذه الواحات الضريبية، مثل جزر كايمن وجزر الكاريبي البريطانية. إذ يوجد فروع لـ 18 ألفاً و857 شركة أمريكية، من بينها 83 من أكبر مئة شركة أمريكية.
ووعد أوباما بإجراءات تشجيعية للشركات التي توفر فرص عمل في الولايات المتحدة، بدلاً من نقل نشاطها إلى الخارج. و طلب من الكونغرس سن تشريع يهدف إلى سد الثغرات القانونية التي تتيح للشركات عدم دفع ضرائب عن فروعها في الخارج،إذ تلجأ هذه الشركات إلى تحويل الأرباح الى فروعها في البلدان الأخرى لتهريبها من إدارة الضرائب الأمريكية.
من حيث الشكل، يمكننا تفسير هذا الهجوم العنيف على الشركات الأمريكية العابرة للقارات، بأنه بداية القطيعة مع مبادىء الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي تربعت على عرش الاقتصاد الأمريكي والعالمي طوال عشرين عاماً، هذه الشركات التي حولت دول الأطراف إلى منصات إنتاجية وتسويقية بحثاً عن الأرباح المطلقة، وتهرباً من الأعباء الضريبية والاجتماعية في الدولة الأم. أما من حيث المضمون، فإن غضب الرئيس أوباما يعدّ تعبيراً عن تخوف الإدارة الأمريكية من النفق المظلم الذي دخله الاقتصاد الأمريكي رغم المليارات التي حقنت في شرايين المصارف المعسرة، والتريليونات التي قُررت في قمة العشرين الأخيرة. إذ لابد من تفعيل التراكم الداخلي لقوى الإنتاج، وزيادة إيرادات الخزينة الأمريكية لتتمكن من تطبيق برامجها الخاصة بزيادة فرص العمل، وإعادة إعمار البنية التحتية، وتحسين الرعاية الاجتماعية. وخاصة بعد إعلان الخزانة الأمريكية عن عجز في شهر نيسان الماضي بلغ 21 مليار دولار، في الوقت الذي قفز فيه إجمالي العجز الحكومي خلال الشهور السبعة من العام المالي الحالي، إلى 802 مليار دولار، وذكرت الخزانة أن هذا العجز هو الأول من نوعه منذ 26 عاماً. وبغض النظر عن موقف الكونغرس من القانون المقترح، وبخاصة موقف الجمهوريين الذين سيعرقلون إقراره، فقد خلق هجوم الرئيس على هذه الفئة من الشركات مناخاً يعرقل استمرارها في إنشاء فروع خارجية، ويضعها أمام احتمالين لا ثالث لهما، فإما العودة إلى تنشيط وتفعيل مراكزها الرئيسية في الدولة الأم، وهذا يعرضها إلى ارتفاع كبير في تكاليفها الإنتاجية، وزيادة أعبائها الضريبية. وإما عدم الانصياع لطلبات الإدارة وللقانون المقترح،وقطع الصلة بالمركز الرئيسي والبقاء في دول الأطراف، وهو خيار محفوف بالمخاطر. فما من أحد يضمن لهذه الشركات استمرار نشاطها في تلك البلدان، وبخاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي جعلت هذه الدول أقل حماسة لجعلها مراكز مؤقتة لمشاريع هذه الشركات.
منذ بداية القرن الجديد،كانت الشركات الكبرى تقرر مقدار ما تدفع من الضرائب..! وأين تدفعها، فهي تستقر في بلد منخفض الضرائب، ووسائل إنتاجها في مكان آخر،وتبيع بضائعها في مكان ثالث لاتصل إليه الإجراءات الحكومية. فإمبراطورية (روبرت ميردوخ) الإخبارية التي بلغت أرباحها في بريطانيا بين عامي 1987 و 1999 ما يعادل مليارين وثلاثمئة مليون دولار، لم تدفع هناك أي ضريبة، ولم تتجاوز الرسوم التي دفعتها في العام أكثر من 6% من الأرباح.
واجهت الحكومات في البلدان الرأسمالية (الديمقراطية) بعد سيطرة الليبرالية الاقتصادية الجديدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي،خيارين متكافئين في صعوبة التطبيق. فهي لا ترغب في خسارة دعم الناخبين الكبار من أصحاب الشركات العملاقة برفعها لمعدلات الضريبة،و لا تستطيع زيادة الإنفاق الاجتماعي بسبب تواضع مساهمة الضرائب في إيرادات الخزينة، والخوف من انتقاد الفعاليات الاقتصادية لها بأنها تتدخل في آليات السوق. وفي كثير من الأحيان تلجأ الحكومات إلى توجيه رعايتها إلى من لا يحتاجها!.. ففي أمريكا بلغت المساعدات السنوية التي قدمتها الإدارة إلى الشركات نحو 75 مليار دولار، في حين أصبح الضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل مشروطاً أكثر،ولا يستفيد من منح البطالة اليوم إلاّ 29% من العاطلين عن العمل،بينما كانت النسبة 70% في عام 1986.
في الولايات المتحدة، وخلال الحقبة الريغانية، سادت نظرية (الانسياب الخفيف) التي تزعم أن مـنح الأغنياء حوافز مشجعة، كتخفيض الضرائب ودعم تصديرهم للسلع والرساميل سيؤدي إلـى ازدهار النمو.. وخلق الوظائف. و إن خصخصة الوظائف و المؤسسات العامة ستؤدي إلى تحسنٍ في أداء الخدمات. فالمجتمع الجيد يقوم على قوة رجال أحرار،وعلى قدرتهم الإنتاجية في أسواق حرة، إذ يعبّدون الطريق إلى (النيرفانا) أي السعادة التامة. وترافق ذلك مع السعي لكبح قوة النقابات، فعندما أضرب مراقبو الملاحة الجوية طردهم ريغان واستعاض عنهم بالمراقبين العسكريين.
في بريطانيا، عندما تسلمت (تاتشر) السلطة عام 1979، كان خمس السـكان يتـمتعون بنسبة 43% من الناتج الوطني. وفي عام 1996 عندما هزمت حكومة المحافظين كان 6،2 % من السكان الكبار يسيطرون على 50% من الدخل الوطني، وارتفع عدد الأُسر تحت خط الفقر بنسبة 60%، وأصبحت المملكة المتحدة تضم أكبر نسبة من الأطفال الفقراء في أوربا بزيادة 300 ألف طفل عن عام 1979. وفي استفتاء أجري في عام 1998 هبطت نسبة من لهم ثقة في البرلمان بين عامي 1983 و 1996، من 54 % إلى 10% فقط. (راجع دافيد ستوكمان - انتصار السياسة).
أدى هذا الانحدار الخطير في وظيفة الدولة الاجتماعية إلى تزايد عدد الأمريكيين الذين يعتقدون بعدم صوابية هذا التوجه، وبضمنهم أولئك الذين ينتمون إلى (الطليعة البيضاء) الثرية، فقد كان إدوارد لوتوك الاقتصادي البارز لدى المحافظين الجدد،لكنه تحول إلى أكثر نقاد التوجه الاقتصادي الجديد شدة، فهو يرى (أن ما تفرزه الرأسمالية في عصر الليبراليين الجدد هو في واقع الحال نكتة خبيثة، فما كان يزعمه الماركسيون قبل مئة عام أضحى الآن حقيقة،فالرأسماليون يزدادون ثراءً،والطبقة العاملة تزداد فقراً، وأن المنافسة المعولمة تطحن الناس،وتدمر التماسك الاجتماعي). (راجع- فخ العولمة- مارتين وشومان) في استطلاع أجرته مؤسسة (راسموسن) الأمريكية في شهر كانون الأول من عام 2008 بوساطة الهاتف، وتضمن الإجابة على السؤال التالي: هل تفضل الاقتصاد الحر، أم الاقتصاد الذي تديره الحكومة، وشمل جميع الولايات الأمريكية،كانت نسبة من فضّلوا الاقتصاد الحر 70%، أما في شهر نيسان من عام 2009، فقد أجرت المؤسسة المذكورة استطلاعاً ثانياً تضمن الإجابة على السؤال التالي: هل تفضل الرأسمالية أم الاشتراكية، كانت نسبة من صوتوا للرأسمالية 53%، كما جاءت إجابات الفئة الشابة من مجموع المصوتين 37% للرأسمالية، و 33% للاشتراكية، و30% لم يُدلوا برأي. (راجع صحيفة (ووركرز وورلد) الأمريكية -23 نيسان 2009) ودون المبالغة في تفسير نتائج هذين الاستطلاعين، فقد أظهرت غضب الجمهور الأمريكي الواسع من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تسبب بها الليبراليون الجدد.
لن نتكهن بنتائج غضب أوباما، وهجومه على رموز حقبة أذاقت الأمريكيين، كما أذاقت شعوب العالم قاطبة مرارة البطالة.. والفقر.. وفقدان الأمل، فأسلحة الخصم هنا تفوق قوة وفتكاً أسلحة الرئيس أوباما، لكننا نؤكد ما بيّناه في مقالات سابقة، وهو خطأ وخطورة سياسة إغراء وتحفيز الشركات والأثرياء بالتخفيضات الضريبية لوقف التهرب الضريبي وزيادة إيرادات الخزينة، فهي سياسة لم تثبت صحتها حتى في البلدان الرأسمالية، فكيف في بلد نام كسورية يعاني تواضع حصيلته الضريبية من أرباح ودخول الشركات والأفراد، وتهرباً ضريبياً يناهز 100 مليار ليرة سورية سنوياً، رغم قوانين تخفيض العبء الضريبي التي صدرت خصيصاً (لبرطلة) الفئات الثرية وجذبها إلى الالتزام، ووقف تهربها من دفع الضريبة، هذا الهروب الذي يعدّ جريمة بحق الوطن والشعب بجميع المقاييس.