هل هي أزمة عابرة..؟

بشَّار المنيِّر قرأها 6
 

هل هي أزمة عابرة..؟

بشار المنيّر

أنصار الرأسمالية الريعية من تجار المال والمصارف الاستثمارية الهجينة والليبراليون الجدد يؤكدون أنها أزمة عابرة تلك التي هزت الاقتصاد الأمريكي والعالمي في 15/9/2008 ويتساءلون: ألَـم يتعرض النظام الرأسمالي خلال القرن الماضي، إلى سلسلة من الأزمات في أعوام 1929 و1971 و1997-1998 و2001 وخرج منها أكثر قوة ومنعة..؟

ألا تعدّ هذه الأزمات تعبيراً عن القدرة الكامنة في النظام الرأسمالي على النهوض.. وتجديد هياكله.. والانطلاق من جديد..؟

إن مناقشة هادئة لأسباب الأزمة الجديدة ودلالاتها التي عصفت بقلعة الرأسمالية الريعية في العالم، تظهر بوضوح مجموعة مؤشرات اقتصادية وسياسية مهدت لها. وهذه المؤشرات والدلالات تختلف تماماً عن تلك التي أدت إلى الكساد الكبير في عام 1929، وعن الأزمات الأخرى التي صاحبت الرأسمالية طوال القرن الماضي، فالأزمة هنا ليست أزمة كساد.. بل لا علاقة لها باختلال توازن السوق نتيجة العرض الكبير والطلب المحدود. وهي لم تنجم عن الإنتاج الكبير للصناعة الذي اصطدم بضيق السوق وتواضع دخول العاملين، بل تنفرد هذه الأزمة المالية الاقتصادية بسمات خاصة يمكن تلخيصها بما يلي:

1- انفجرت الأزمة في ظل تطور هائل في تقنيات الاتصالات والمعلوماتية، وانهيار نظام القطبين الذي تسيّد المناخ العالمي لسبعة عقود، وتحول العالم إلى سوق معولم تتحكم فيه إلى جانب البوارج والطائرات العسكرية الأمريكية، قدرات مالية ضخمة، تتوزع بين القارات.. والأسواق بعد أن أطلقتها الليبرالية الجديدة قيود اتفاقية بريتون وودز، مما قلص إمكانية دول العالم الأخرى في حصر تداعيات هذه الأزمة في بلد واحد، وشمول تداعياتها اقتصاد العالم برمته

2- أزمة سياسية عامة نجمت عن سلوك سياسي قادته إدارة المحافظين الجدد أفقد الولايات المتحدة مصداقيتها ومكانتها الأخلاقية كدولة عظمى، فمن تورطها في الحرب الأفغانية، إلى حربها المعلنة رسمياً على الإرهاب التي تَبين أنها حملة للسيطرة على منابع النفط العراقي والخليجي، ثم سعيها إلى تشكيل شرق أوسط جديد أمريكي الهوى. إسرائيلي المحتوى، فأخطأت الحساب على جميع الصعد، فقد تحوّلت الحرب على العراق إلى حرب استنزاف لمواردها المالية والبشرية. واستعادت روسيا هيبتها بأسرع مما كان متوقعاً، ونما الاقتصاد الصيني بمعدلات أكبر مما كان مقدراً، وظهرت قوى إقليمية أخرى عديدة، خصوصاً في آسيا وأمريكا اللاتينية غيرت من موازين القوى، وظهر جلياً أن المجتمع العالمي يزمع التخلص من القطب الأوحد باتجاه عالم متعدد الأقطاب.

3- أزمة اقتصادية ناجمة عن سياسات الليبرالية الجديدة، إذ تراجعت مساهمة الاقتصاد الأمريكي في الناتج الإجمالي العالمي أمام تقدم دول أخرى، فالمجمع الإنتاجي الأمريكي لم يعد الأكثر فاعلية في العالم، بل على النقيض من ذلك، إذ لا يمكن الثقة بتفوق أي قطاع من هذا المجمع على منافسيه في سوق مفتوحة حقيقية كما يتصورها الليبراليون الجدد. يشهد على ذلك عجز الميزان التجاري الأمريكي الآخذ في التفاقم من عام إلى آخر، إذ بلغ 842 مليار دولار في عام 2006 و750 ملياراً في عام 2007 لذلك يعتقد الكثيرون بأن الولايات المتحدة لن تتمكن من التفوق على أوربا واليابان في مجال المنتجات الفائقة التكنولوجيا، وعلى كل من الصين وكوريا وبلدان آسيا وأمريكا اللاتينية الصناعية الأخرى بالمنتجات الصناعية التقليدية، وعلى أوربا وأمريكا الجنوبية في الزراعة، إلاّ عبر اللجوء إلى وسائل غير اقتصادية، كاتباع سياسة الدعم. وظهر للجميع أن أمريكا تعيش بأفضل مما تتيحه لها قدراتها الحقيقية، فهناك مديونية حكومية تتزايد باستمرار وصلت في العام 2007 إلى نحو 9 تريليونات دولار، مقابل أقل من 4 تريليونات في نهاية الثمانينيات. وتستورد أمريكا اليوم 53.7% من حاجتها إلى الملابس الخارجية للرجال والأولاد، و52.5% من الملابس الخارجية للنساء، و 35.3% من أدوات الطهي المنزلي، و 44.5% من الأدوات الكهربائية المنزلية، و61.8% من مختلف أنواع السيراميك و 22.5% من الفولاذ، و 22.2% من صناعات الأعلاف. وفي حين تُفاقم هذه الواردات من عجز الميزان التجاري الأمريكي، فإن تدفق الرساميل العالمية على الولايات المتحدة والتوجه نحو المضاربات بدل الإنتاج هي التي سدت جزئياً هذا العجز. وقد تبين بعد الانهيار الكبير أن الاستثمارات الأجنبية المهددة في السوق الأمريكي تناهز ستة تريليونات دولار.

4- إن الحافز الرئيسي على الإنتاج في النظام الرأسمالي، الذي يتمثل بالإنتاج الصناعي والخدمي والتسويقي، قد انتقل في حقبة عولمة الأسواق إلى مستوى جديد هو حافز التراكم المالي دون المرور المباشر بالعملية الإنتاجية، وهو التراكم الذي تشرف عليه نخبة من المصارف والشركات، وحفنة من المضاربين دون رقابة من الدولة وأجهزتها المالية والاقتصادية.. ليس ما نراه اليوم إلاّ قانون السوق بشكله المتوحش،السوق المضارب بالأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى التي تبتدعها الشركات والمصارف الاستثمارية الأمريكية، وتنشرها في أسواق العالم مفخخة بأسعار فائدة مغرية، في حين تراجع الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج والتوزيع والتبادل من خلال التجارة العالمية. وكان أبرز نتائج تحول الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد ريعي أن أصبح 75% من العاملين في أمريكا يحصلون على أجر يقل بنسبة 25% عما كان سائداً قبل ربع قرن، وبات الضمان الاجتماعي للمتعطلين مشروطاً أكثر، ولا يستفيد من منح البطالة اليوم إلاّ 29% من المتعطلين، بينما كانت 70% في عام 1986.

5- أدت أفكار وسياسات الليبرالية الجديدة إلى تشكيل تحالفات بعضها في العلن، وبعضها الآخر في الظل، بين حيتان الأسواق المالية وتجار الائتمان من جهة، ومجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات من جهة أخرى، سمحت لهذه الشركات لا بزيادة قدراتها المالية فقط، بل بالسيطرة على فروع إنتاج بكاملها، وتحويلها إلى احتكار عالمي. فهناك الآن خمس شركات عملاقة تُـسيطر على 50% من الأسواق العالمية في مجالات صناعات الفضاء والمكونات الإلكترونية والسيارات والطائرات المدنية والفولاذ والالكترونيات، وخمس شركات أخرى، تسيطر على 70% من السلع المعمرة، وثمة خمس شركات غيرها تهيمن على 40% من الحواسيب والإعلام، ومبيعات 200 شركة تشكل 28% من الإنتاج الخام العالمي.

6- انفجرت الأزمة في 15/9/2008 بعد تعرُّض مصرف (ليمان براذرز) للاستثمار العقاري للإفلاس، لكن مصارف استثمارية أخرى كان من الممكن أن تتعرض للمصير ذاته. فالمسألة هنا ليست مغامرة قام بها أحد المصارف، بل بنهج اقتصادي اعتمدته الليبرالية الجديدة. فأزمة 2001- 2002 ضربت قطاع المعلومات والاتصالات، وأزمة أخرى قادمة - وهذا ما نتوقعه - ربما ستعصف بقطاع صناعات الآليات الثقيلة أو صناعة السيارات. وقد بلغت الخسائر الناجمة عن الرهن العقاري التي قدرها خبراء صندوق النقد الدولي بنحوتريليونَيْ دولار، وارتفعت حالات إشهار الإفلاس إلى 967 ألف حالة. وخسر مليونا مواطن أمريكي منازلهم، وخمسة ملايين آخرين وظائفهم. أما خسائر حملة الأسهم والسندات في أسواق المال المضطربة منذ بداية الأزمة فقد جاوزت 3 تريليونات دولار. وعلى الصعيد العالمي تراجعت مؤشرات أسواق المال العالمية، وتحصد هذه الأسواق يومياً خسائر تقدر بعشرات مليارات الدولارات. ويمكن القول دون الوقوع في فخ المبالغة إن ما حدث في 15/9/2008 كان انهياراً كبيراً لا للاقتصاد الأمريكي والعالمي فحسب، بل لنهج اقتصادي متوحش قادته الليبرالية الجديدة طيلة ربع قرن، وعملت على فرضه على دول العالم بأسره. فتدخُّل الإدارة الأمريكية لتأميم ديون الشركات والمصارف المتعثرة، وتحويلها إلى ديون عامة لا يعني إلاّ أمراً واحداً: أن عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وتركها للسماسرة والمضاربين والشركات العابرة للقارات.. وتهميش الكل الاجتماعي لصالح الأقلية المتنعمة بالمليارات، كان كارثة حقيقية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، ولم يكن أزمة عابرة .. إنه نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة يعود فيها للاقتصاد الحقيقي دوره، وللدولة المتدخلة والمشرفة على العملية الاقتصادية، والراعية لمصالح الفئات الاجتماعية المختلفة مكانتها. إنه إفلاس حقيقي معمّد بالتجربة لنمط من الاقتصاد المشتق عن الاقتصاد الرأسمالي، الذي أخذت به أيضاً بعض البلدان النامية نتيجة لتوصيات.. أو ضغوط الليبراليين الجدد، فوجدت نفسها عرضة لتداعيات الانهيار الكبير، فهل يتعظ من كان يروج لنهج الليبرالية الجديدة في الاقتصاد السوري..؟ وهل يتراجع من كان يسعى لتحجيم دور الحكومة في العملية الاقتصادية لمصلحة الفئات المقتدرة في القطاع الخاص والرساميل الريعية..؟ وهل يتحول الاقتصاد السوري بعد الانهيار الكبير إلى ورشة فعلية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، تقطف فيها الفئات الاجتماعية المختلفة، وبخاصة الفقيرة والمتوسطة منها، ثمار النمو الاقتصادي، مَن يُجيبنا؟