قمة العشرين. . الكبار و(ضيوفهم): فخ نيوليبرالي آخر
قمة العشرين. . الكبار و(ضيوفهم): فخ نيوليبرالي آخر
بقلم: بشار المنيّر
جميع المعطيات والمؤشرات وُضعت على طاولة زعماء الدول السبعة الكبار قبيل اجتماعهم بمشاركة الدول النامية الكبرى الثلاث عشرة، فيما عرف بـ (قمة العشرين).
توقعات المراقبين تراوحت بين التفاؤل الحذر والتشاؤم المفرط، فانعكاسات الأزمة الاقتصادية ما زالت مستمرة، والاقتصادات الأوربية والآسيوية الرئيسية تزداد انكماشاً يوماً بعد يوم، وتأخذ الأزمة طابعاً كارثياً كلما اتجهنا صوب الجنوب.
مصائب الشعوب تصنع في أمريكا
عبرت الأزمة الاقتصادية (وول ستريت) إلى ما وراء المحيط بعد أن ارتفع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 8. 5 %، وبعد خسارة 5.8 ملايين عامل وظائفهم منذ بداية عام 2008، ليبلغ مجموع المتعطلين 13. 2 مليوناً في شهر آذار الماضي وفقاً لبيانات وزارة العمل الأمريكية. وبعد أن ارتفع عدد الأمريكيين الذين يؤمون برامج مكافحة الجوع 32 مليون مواطن أمريكي. وها هي ذي تنقض على البلدان الفتية، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فارتفعت معدلات البطالة من جديد في الأحياء الفقيرة وأكواخ الصفيح التي تزنّر المدن الكبرى، وانتشر الجوع مجدداً مع فقدان فرص العمل. زعماء إفريقيا حذروا رئيس الوزراء البريطاني من عودة الحرب الأهلية إلى أجزاء واسعة من قارتهم بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. فقد خسر 500 ألف عامل في زامبيا وظائفهم في مناجم النحاس، وتحول مزارعو القطن في تنزانيا إلى عاطلين عن العمل بعد انخفاض أسعاره إلى النصف، إضافة إلى انخفاض إيرادات السياحة وتحويلات المهاجرين في أغلب الدول الإفريقية، وانضم عشرات الملايين إلى قوائم الجياع في دول جنوب الصحراء.
المصرف الدولي توقع انكماشاً شديداً للاقتصاد العالمي، إذ سينخفض الإنتاج الصناعي العالمي في منتصف العام الحالي 2009 بنسبة 15 % وذلك للمرة الأولى منذ الحرب الكونية الثانية. كما ستنخفض المبادلات التجارية إلى أدنى مستوى لها منذ 80 عاماً، وستواجه الدول النامية هذا العام عجزاً يبلغ 700 مليار دولار، وستكون منطقة شرق آسيا المتضرر الأكبر بسبب انحسار النشاط التجاري، إذ تعتمد اقتصادات دولها اعتماداً كبيراً على التصدير. ففي الصين عاد نحو 20 مليون عامل من المدن الكبرى إلى ديارهم في المدن الصغيرة والأرياف بعد فقدانهم لوظائفهم. وتضرر الاقتصاد الياباني الذي يعتمد أساساً على الصادرات بسبب الانخفاض العالمي على طلب السيارات والسلع والمعدات الإلكترونية، مما يهدد بتعرض اليابان إلى أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية. وسجل الميزان الجاري لشهر كانون الثاني من العام الحالي لأول مرة منذ 13 عاماً، عجزاً قياسياً بلغ 1. 8 مليار دولار، وبدأت طوابير العاطلين عن العمل بالتزايد أمام مكاتب الرعاية الاجتماعية، وازدادت عمليات الانتحار في أوساط رجال الأعمال. وفي أفغانستان خفضت الأسر عدد وجبات الطعام، ويأكلون اللفت المغلي عوضاً عن الخبز، ودفعت الظروف الاقتصادية العائلات إلى سحب أطفالهم من المدارس وإجبارهم على تلميع الأحذية في الأسواق.
لن نستمر في إيراد المعاناة اليومية للملايين نتيجة لانعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على بلدانهم،لكن استمرار مفاعيل هذه الأزمة ينذر بكوارث اجتماعية يصعب السيطرة عليها،إذ ارتفع عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر (دولارين يومياً) إلى 17% من سكان العالم.
المشهد الخلفي
هل انشغلت قمة قادة الدول الرأسمالية السبع، وضيوفهم الثلاث عشرة، الذين يمثلون 85% من الناتج الإجمالي العالمي بأوضاع مَن ساقتهم الأزمة إلى زواريب البطالة والفقر والجوع،أم استحوذت عليهم خسارة الأغنياء لثلث ثرواتهم الموزعة في بورصات العالم..؟ وهل جاءت قرارات القمة متناسبة مع مسؤولية الرأسمالية وأزماتها عن النكبات التي سببتها لشعوب العالم بأسره..؟
جاء الرئيس أوباما إلى القمة طالباً من شركائه الأوربيين إعادة إطلاق النمو عن طريق ضخ المزيد من المليارات في القطاع المالي المنهار، وبمعنى آخر أراد توزيع خسائر الأزمة المالية التي تسببت بها بلاده على الشركاء الأوربيين والدول النامية الكبرى، فاصطدم بالرؤية الأوربية التي ترى أن مسألة ضخ مليارات إضافية في عجلة الاقتصاد غير ضرورية في الوقت الحالي، بل يجب التركيز على وضع آلية لمراقبة للقطاع المالي العالمي الذي تسبب بالأزمة، وإعادة إطلاق نمو عالمي منسق ومحدد وسريع. ووصل الأمر بالرئيس ساركوزي إلى التهديد بالانسحاب من المؤتمر في حال تبنيه الخطة الأمريكية، في حين وصف رئيس وزراء جمهورية التشيك مقترحات أوباما للنهوض بالاقتصاد العالمي بأنها (الطريق إلى الجحيم).
لقد اختلف الشركاء بداية، لكنهم وجدوا طريقة للتفاهم، فتحمّل الجميع قسطهم، ثم قرروا بعد ذلك تكريس الليبرالية الاقتصادية الجديدة بدلاً من البحث في إنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد، متعدد الأقطاب، لا تطيح به مجموعة من المصارف وبعض مسوقي الأوراق المالية في البورصات العالمية الكبرى.
أبرز قرارات القمة
1. تقديم 500 مليار دولار إلى صندوق النقد الدولي، إضافة إلى مساعدات مباشرة للدول الأكثر فقراً تبلغ 50 مليار دولار.
2. تخصيص 250 مليار دولار للمؤسسات المصرفية، بهدف تعزيز ميزانيات المصارف ومتابعة سياسات الإقراض.
3. تخصيص مبلغ 100 مليار دولار لبنوك التنمية، للتمكن من تقديم القروض للدول الفقيرة.
4. تقديم 250 مليار دولار لتعزيز وتنشيط التجارة العالمية.
5. إخضاع المرتبات والحوافز التي يتقاضاها العاملون في القطاع المصرفي لإجراءات رقابة صارمة ولصيقة، وإنشاء مجلس عالمي للاستقرار المالي ليعمل مع صندوق النقد الدولي ويكون مسؤولاً عن التأكد من سلامة العمليات المالية العابرة.
6. الاتفاق على اعتماد نهج مشترك لتنظيف المصارف من الديون السامة أو المعدومة، والرقابة على صناديق الاستثمار السيادية والوكالات التي تمنح الائتمان.
7. فرض عقوبات بحق الملاذات الضريبية، وفقاً للقائمة التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تتضمن كوستاريكا وماليزيا والفيليبين والأورغواي ودولاً أخرى.
8. السماح لصندوق النقد الدولي بتوفير مبلغ ستة مليارات دولار من خلال بيع بعض احتياطي الذهب لديه بهدف زيادة عمليات الإقراض للدول الأكثر فقراً في العالم.
فخ نيوليبرالي جديد
بعد طوفان الكساد والبطالة والجوع الذي اجتاح العالم بسبب سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، جاءت قرارات قمة السبعة الكبار وضيوفهم لتعالج مفاعيل الأزمة الكبرى بنهج نيوليبرالي يصب في خانة من تسببوا باندلاعها..!
فأي علاج للأزمة ستحمله المليارات التي خصصتها القمة للصناديق والمؤسسات الدولية التي كانت طيلة ثلاثة عقود سنداً وداعماً لمخططات الليبرالية الاقتصادية الجديدة الهادفة إلى تهميش الاقتصاد الحقيقي، وإطلاق يد الرساميل المالية لتكرِّس اقتصاداً ريعياً قوامه.. وأدواته مجموعة من المصارف الاستثمارية، وحفنة من المديرين المتنفذين ذوي الخيال (الاحتيالي) الخصب، وبضعة مضاربين يسفّرون ملياراتهم عبر المحيطات بحثاً عن صفقة مريبة هنا.. أو فرصة لتوليد مليارات جديدة هناك..؟
هل ستؤدي هذه المليارات المخصصة للصناديق الدولية والقطاعات المالية إلى فتح أبواب آلاف المصانع الكبيرة والصغيرة التي أغلقت في أمريكا وأوربا والدول النامية، أم أنها ستعزز قدرة القطاعات المالية الريعية لمتابعة نشاطها الائتماني المشبوه..؟
إن قضية تعثر مصانع السيارات الأمريكية ماثلة أمام الجميع، وهي تثبت نوايا الإدارة الأمريكية في معالجتها للأزمة. فرغم أن الإدارة المذكورة ضخت أكثر من تريليون دولار في القطاع المالي، لكنها ترفض مبدأ إقراض هذه المصانع التي تعد عماد الصناعة الأمريكية، وتوفر فرص العمل لملايين العمال..!
كيف ستنفق هذه الصناديق والمؤسسات مليارات القمة لإنقاذ اقتصادات الدول النامية وشعوبها المتضررة من انعكاسات الأزمة العالمية إذا كانت هي نفسها أحد مصادر الضغط على تلك الدول في الماضي لإعادة هيكلة اقتصاداتها وفق برامج وتوافقات الليبرالية الجديدة..؟
لقد اختصر الكبار بقرارات قمتهم مشاكل الدول النامية بحفنة من المليارات كمعونات وتبرعات، بدلاً من مساعدة هذه الدول على تطوير قطاعها الصناعي، وتحديث قطاعها الزراعي، وتنمية طاقاتها البشرية المعطلة.
الرأسمالية العالمية تتعثر في مواجهتها لأوضاعها الاقتصادية المتأزمة، هذا ما تشير إليه نتائج قمة السبعة الكبار والشركاء، هذه النتائج التي صفق لها البعض، إذ وجدوا فيها استمراراً لنهج الإثراء السريع في أسواق المال والبورصات والمؤسسات الاستثمارية بعيداً عن العملية الإنتاجية، وتعيد إلى الليبرالية الاقتصادية الجديدة زمام المبادرة بعد أن تقلص نفوذها إبان انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في 15/9/2008.
الدول النامية التي اجتاحتها أزمة الرأسمالية العالمية، لن تجد في نتائج القمة حلولاً للوضع الاقتصادي المتدهور الذي آلت إليه، كما أنها لن تجد هذه الحلول في الوقوف على باب صندوق النقد الدولي لتلقِّي المعونات، فالحلول كامنة في تعديل سياساتها الاقتصادية التي تولد الأزمات الداخلية، وتتأثر بانعكاسات الأزمات العالمية، فتعمد إلى تحجيم القطاعات الريعية، وتحفّز القطاعات الإنتاجية الرئيسية كالصناعة والزراعة، وتعيد إلى القطاعات الحكومية مهمة الإشراف على القطاعات الاقتصادية، وخاصة القطاع المالي، وتضع الخطط والبرامج لتحسين أوضاع الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة وفي مقدمتها قوى العمل والإنتاج.
أما شعوب العالم المتضررة من أزمات النظام الرأسمالي، فلسان حالها يقول مع (موريس إلياس) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، تعليقاً على قمة الكبار: أين الأخلاق حين يضطر الفقراء وحدهم إلى دفع تكاليف هذه الأزمة، بينما يواصل المسؤولون عنها جني الأرباح..؟