في معصمها... سِوار أو حصار ؟
في معصمها... سِوار أو حصار ؟
دانيه بقسماطي
... إلتفتَ الأبيض لِيجد نفسهُ في حضرة الأسود المُلتحّف بعباءة ليل قاتم, يُمْطّر نوراً في ردائهِ
يُحدّق في أبجدية عينيها, يسأل:
أُنثى لا تحوي خزائنها سوى أثواب داكنة
أهو ليل يستريح على عرش يأبى العبور ؟
أم تُرى هو عابر سقطَ عليها سهواً ؟
حتماً, هي التي تستريح في حُضنه
هي العابرة التي سقطت عليهِ عمْداً!
كان مبهوراً بارتطام حواسه برذاذ عطرها, مُرتبكاً بشراسة وجع مُنهمّر من عينيها
من النادر أن تتعثّر بعيون طاعنة في العراء, بحزنٍ طاعنٍ في ضباب.
عينان طاعنتان تناقضاً في عراء فاجع, وضباب مُذهل, مُربك.
مدَّ يدَه النحيلة بإرتباك لِيُعيد إليها سِواراً, سِواراً غافلَ معصمها لِيسقط على الإسفلت...
وبصوت واثق قال:
- سِوارك, سيدتي
ابتسمت بإمتنان مُترفعّة عن الإرباك, قالت:
- لا أدري كيف بوسعي أن أشكرك
صمتت للحظة ثم أضافت بنبرة خافتة:
شكراً
... هي التي يُضنيها أن تقول شكراً
ليس لكونها لا تُحسن التواضع أمام زهرة الإحسان, بل لأنها تُتْقن استعمالها كصفعة في وجه
الإهانات والضربات
يحلو لها الرّدْ على إهانات وصفعات الحياة, بكلمة فائقة التهذيب, فائقة اللؤم:
" شكراَ " !
كاد يقول, بوسعك شُكري لو تمنحينني دقائق إضافية في ضيافة عطرك, سيدتي
لكنهُ إبتلع الكلمات بإبتسامة راقية, بينما أعماقة تصرُخ:
أيُها الأسود الباهر, شاءت الأقدار أن أراك عن كثب
... هي التي يُزعجها فضول الغرباء حين يتلصّصون على أُمورها الحميمة. تتحاشى إستعراض أشيائها المُنتقاة بعناية أمامهم
دوماً, تتحايل على عيون بوليسية تُفتش جيوب معطفها السميك
تُجاهد للتملّص من عيون مُتربصة ترصُد حزن عيونها, وكأن حزن العيون باتَ تُهمة
في زمن العدسات اللاصقة
عيون مُتربصّة عدائية تُحاسبك على إختلافك عنها, تتهمك بالحزن والسوداوية
عيونك الفاجرة الحزن تُزعجهم, تُقلقُهم, وكأنها تُفقدُهم شهية إلتهام الحياة
ثمة عيون فائقة البرودة تُمطرنا بصقيع لامُبالاتها,
أو مُتردّدة عديمة الجرأة, ليست جديرة بالحياة.
وأُخرى شهوانية تُطارد لُغتك لِفك شيفرتك العاطفية
ثمة عيون ملائكية تًشُّع منها طهارة نادرة
وأُخرى عصيّة بكبرياء مُترفع عن الأبواب الواطئة
وهناك عيون تحمل كماً هائلاً من أسئلة حائرة, تُكابر
لِتسقط الأسئلة في أهداب ذاهلة, تُذهلك بذهولها
مُدْهش عالم العيون يفضح هزائمنا, إنتصاراتنا وأفراحنا التي نسرقها من الزمن
ومُدهشة تِلك العيون الضبابية المُتألقة بضوء عتمة حزن أبدي
أكان لانحنائِه الجميل أمام ألم فقدانها السِوار, ما جعلها تتورط في فتح نافذة للحوار ؟
... هي التي تُتْقن احتراف التواضع, إحتراف الصوت الهامس
دوماً تتحدث بنبرة أقل رتبة من الصوت الآخر, بخط ٍ رفيع أقل مستوى
لا لشعورها بالدونية وليس لكونها امرأة مسلوبة حقوقها, بل لأن الصوت الرقيق يليق بأنثى
ذات أُنوثة طاغية.
في حضرة عينيه الملائكيتين, حضرها مشهد للممثلة "جينفر لوبز" في فيلمها السينمائي Angels Eyes. إمرأة ورجل يستحمان, يضحكان مثل طفلين في بركة تنهال فيها شلالات سيّالة.
ثمة يد تُبْدع في عشقها, تحضن بلهفة حزن عينيه, تُلامس صدره العاري, تنحدر بشفتيها لِتلثم جرحة المُشوّه...
بدوره, بالهدوء المتعمد نفسِه قبّلها في مكان لم تمسُه شفاه
هناك في أسفل قدمها, راح يمسح ما تكدس من رمال التشرد والإرتحال.
تلك حالة فريدة في الحب. نادراً ما يُقبّل الرجال أقدام النساء وقلّما يمحو رجل تعباً في قدم إمرأة.
جميل قول "نزار قباني":
"أُريد أن أظلّ نحلة تلحس العسل عن أصابع قدميكِ"
والأجمل أن يُبعث من يُغسِل الرمال عن وجوهنا والجراح من قلوبنا.
... تُتابع التوغل في أعماق ذاتها, تسأل ذلك الطائر الطافح بالنور الساكن فيها:
- هل توّدُ أن تبوح بإيقاع طقسك,
أم أني توهمتُ ذلك ؟
- أنزل من عليائي, أُلامس عيوناً تُشرق حُزناً وهي بدورها تلثم طرف جناحي المبتور !
بُغتت بالجواب, إبتهجت
فالطفولة الحقّة هي أن نبتهج بما لم نألف
حيّره شرودها, إلتقط أول سؤال خطر لهُ لِيكسر الصمت:
- سوارك أنيق سيدتي, يليق بكِ
كادت تقول شكراً, لكن الروح الساخرة في أعماقها نهرتها قائلة:
- سِواري فاخر التحنيط, سيدي
يليقُ بعطبي وأناقة يُتمي !
أذهلهُ جوابها, وبهدوء مُفتعل أجاب:
- سوار ذو تصميم فريد, بجدائل ذهبية مُعتقّة مُزخرفة كالدانتيل
أهو هدية الأجداد ؟
باللهجة الساخرة نفسها, وإبتسامة يلُفها الغموض, تابعت:
- ربما... سِوار مُرصّع بجواهر أزمنة غابرة
هو إرث الحياة, إحدى هداياها الفاخرة !
كان الأجدى بكِ أن تقولي:
هو شاهد حي ميت, على أعظم خسارات العمر
هو سقوط وطن...
سقوط لا تخرج منه ُ مُعافى من عطبٍ في الروح والأحلام
فالوطن وحده يملك حق هدر ماضيك, حاضرك, مستقبلك
وحدهُ له حق إهانتك, تجريدك من طفولتك وحتى سلاحك, ليرمي بك في أنفاق رمادية
وحبهُ حقٌ علينا بكل تشوهاته, نتاقضاته ومزاجاته المُتقلبة
يُخطىء في حق أبنائه, وقد نُخطىء في حقهِ, لكننا لا نجرؤ إلاّ أن نغفُر لهُ خطاياه,
وأن نُلقي برأسنا المُرهق على ركبتيه وتحن نُردد قول "محمود درويش":
" لا تعتذر عمّا فعلت "
كان وجهها يبْتسم للوطن, يتشبّث بضحكة تكاد تهرب من شفتيها, هو تائه بين أجوبة فائقة
العتمة وإبتسامة فائقة التهكُّم.
إستدركت خطأ إرتكبتهُ, راحت تبتسم ببراءة من يُبْعد شُبهة عنهُ, أو ربما كي لا تُعكّر صفو
عينيه بكلمات تحملهُ على الإعتذار عن حياة عابثة, أو عن وطن لم يعرفهُ من قبل...
واحتراماً لِدمعة مُكابرة كادت تهطُل من أحداقها, راح يتلفت يميناً وشمالاً وكأنهُ يبحث عن أحد, ثم قال بنبرة تتأرجح بين الحزن والسخرية السوداء:
- ألكِ ترف طفلة الحياة المُدللّة,
المُغدقة عليكِ أثمن هداياها ؟
صدمتهُ بردّها:
- طبعاً لنا الموت الأنيق, الفاخر التحنيط
فالحياة تختار اليتامى من أبنائها لتورثَهم أفخر هداياها !
أصابتهُ فاجعة الجواب,
حاول التملّص من أبجدية عينيها, إخترق ذلك الإطار الذهبي المُلتّف حول طائر مُحنّط, راح يُصغي بعمق لِذاكرة طائر مُرصّع بكفن أبيض, يُنقب ذاكرة أُنثى تُكفّن معصمها بحلم مُجهض
مُحنّط داخل سِوار.
أُنثى مُتورطة في تكفين جثث الأحلام, أحلامها
ديكتاتورية الحياة تفرض عليها تعاقب أحلام مُجهضة, هيبة الموت تحملها على لملمة أشلاء
جثة حلم من خزانة عتمة تزدحم بأحلام مبتورة, تستعد لدفنها في ضريح يليق بقدسيتها.
أُنثى يرقص الحزن في أحشائها, تستهلك الكثير من إبتسامات الصمت الساخر لأحلام محروقة
تهذي على شفتيها.
أُنثى غير معنية بدورة الفصول, تحترف لمْلمة أشلاء حلم من خزانة عتيقة, جواريرها مُكتظّة
بأحلام محترقة, تنقلها من عتمة الجدران إلى الضوء الفاضح
أُنثى تحترف إختراع ميتة لائقة, أو تحنيط لائق !
أيهما الأكثر إيلاماً, دفن الموتى وأشلائهم في سراديب الذاكرة, أم مُعاشرة جثة حلم ؟
جثة تُحيك لك مكيدة قهر...
تُلقي عليكَ تحية المساء, تحتسي معك قهوة الصباح, تُشاركك في كل تفاصيل حياتك اليومية
جثة تتسوّر ببرواز أنيق, تتآمر عليك,
لِتُمسي على إحتراق, وتُصبح على إختناق !
عاد لأبجدية عينيها, تأملها للحظات وبشجاعة الرجولة:
- عليكِ أن تستبدلي سِوارك بآخر,
أخّف حِملاً فهو أثقل من أن تحمليه بمفردك
تواصل إهداءَه ألغازاً لِيفككها:
- لا حلول جماعية لهواجس شخصية " محمود درويش "
لذا, علينا إرتداء حِداد فردي لرماد أحلامنا !
وتُضيف بصوت مُكابر:
يروق للروح في وحدتها بثقل الذاكرة أن تتفرّد, أن تتوحد !
حتماً, لم تكُنْ الأجمل, لكن في حدادها كانت الأبهى والأرهب
فجأة بدت مُبعثرة المزاج, بعدما أفرغت خزانتها على مرأى الشمس وأنهكت النهار في ثرثرتها
ألقت تحية مُقتضبة, تركت لهُ إبتسامة غامضة ورحلت...
رحلت دون مُصافحة, وكأنها تخشى أن تنقل إليه عدوى خيباتها, تركتهُ مُشتتاً يشتّم خرابها
بحواس مُتناقضة, تائهة
عيناه تُلاحقانها من الخلف, كما تُلاحقان نجمة هاربة
نجمة خلقت لديهِ عناداً, فضولاً مُفرطاً في إلحاحهِ
وبِكمٍّ هائل من الأسئلة الخطرة, وبدرع فارس عبَرَ حدائق الليل مُتشبثاً بثوب العتمة المُتوهجة
لإستنطاق ليل يستلقي مزهواً على خاصرتها, ويُكحّل أجفانه بالسواد.