جدارية عبثية

دانيه بقسماطي قرأها 574
  

جدارية عبثية

دانيه بقسماطي

في تِلْكَ السنة , كان صيفاً فوضوياَ

يفتحُ النهار أجفانه مُصدّعاً , مصدوماً

بِفضاءِ مُنْتشٍ بسخاءِ المطر

                         مطرٌ شرسٌ

                                ينهمرُ حاقداً

                 حارقاً على شرفات الوطن

مطرٌ شرسٌ وقحٌ

           لا يعنيه أنْ يستأذن

                       أو يعتذر عن مزاجه العبثي

عن تشويه موسم الصيف

                           في الوطن

مطرٌ تائقٌ للشجر

             للحجر

               للبشر

لا يعنيه أن يعتذر من الوطن

عصفورٌ توقفَ عن الإنشادِ

                   و ارتعدْ

كالصفصاف , الزيتون , السروّ , القمح

                            و التينة ارتعدت

الهواءُ يركض

       المنارة تركض

             المرافىء تركض

و البلد يركض على روحه خائفاً

قال :

تمهلوا , لا تُسرعوا في الرحيل

ربما يعتدل الطقسُ

فلِننْتظّر

ربما , لوّ أمطرت رذاذاً

تخفْ وطأة البرد عن أجسادنا

ربما , تعود الأرض

لترتدي ثوبها  الصيفيّ المُزركش , عمّ قليل

هَهُنا

عابر يتوكأ على عكازه

يحزم وطنه في حقيبة :

مصحف قديم , مخطوطة أجنحة

وردٌ من حدائق هواجسهِ

و حفنة ترابٍ من فرح مسروق

لكنْ

ما بال الجسدْ يتلوىّ ؟

سُعال خفيف , ثقْلٌ في القدمين

تنهّد , و همَس لظلِهِ :

الخريف و أحواله شؤونٌ شخصيّة

لا شىء يُثير القلقْ

هو ليس بحاجة لإبراز بطاقة هوية

و عسكريٌّ خلفَ البندقية

يُحدّق في ملامح وجه العابر الثوريّة

يُفتش حقيبة يده

يسأله ماذا يحمل ؟

- لا شىء , حقيبة عاديّة , تحْتضِنُ الحرية

و طفلةٌ قالت لأبيها :

- هل سنبقى هُنا يا أبي

  نفْترّش العراء

- سوف نعود يا بُنيتي , سوف نعود

  بعدما يمضي الطيارون للراحة في بستان قريب

لا تخافي هدير الطائرات

ارتدي عباءة جدّك البُنيّة

و رددي كلام الله

كي تُخطئنا صواريخ العدو , الذكية

- لكنْ . كيف سنعود بعد مجزرة الجسور ؟

  على أيّ جسر سنعبُر يا أبي ؟

  بعدما بات الوطن مُقطّع الأوصال

- لا عليكِ يا بنيتي

  سنرفع راية بيضاء

  ترفرف فوق قوافلنا

  راية بيضاء

  راية للموتى

  و سلاماً للباقين

-  و لِمَ الجسور يا أبي ؟

- هي معتقدات الشعوب , أساطيرها , دياناتها

  هي العبور من الأرض إلى السماء

  من الإنسانية إلى ما بعدها

  من الكينونة الزائلة إلى الخلود

  من الوجود إلى اللاوجود

-  و بعد يا أبي ؟

-  الكرسي البابويّ جسر

    المسيحية إلى السماء

  و الصراط جسر المؤمنين

  إلى الجنة أو النار

  أرأيت ِ لِمَ إستهْدفَ العدوّ جسورنا ؟

  إستهدف القيّم ... إستهدف الإنسان

  أعاده شكل إنسان

  طفلٌ يجهش بالبكاء , في بئر رُعبهِ المرير

  - لا أُريد العودة الآن

   نعود , نعود بعد حين

   العدوّ يستهدف حافلات النازحين

   و مجالس الحاخامات أحلّت دماءنا

   يا أبي

   أجازت قتل النساء و الأطفال

   حكومة العدو تأمر جنودها بقتل المدنيين

- تسلّح بالأمل و الإصرار , يا ولدي

  كُنْ قوياً مؤمناً كرجال صامدين

- يا أبي أعلنوا هُدنة

  ألنْ نعود ؟

- و ما شأننا نحن يا إبنتي , ما شأننا

  أعلنوا هُدنة كي يحصوا عدد قتلاهم

  و ينتشلوا جثث موتاهم

  كي يُلملموا أشلاء جزمات جنودهم المهزومين

  كي يغمضوا الجفون على إنكسارٍ أكيد

هُدنه

كي يناموا قليلاً فوق دباباتهم

كي يرتاحوا خلف صواريخهم , مُندحرين

هُدنه

كي يتحلقوا حول أعلامهم

كي يُوقّع أطفالهم على صواريخهم

حتىّ يُطلقوها علينا , مُبتهجين

هُنا

جالسٌ و جناحَه صامتان

يُصغي إلى رعد الحجارة , يُصغي إلى صوت الدمار

يُصغي إلى ما في الروح من عبثٍ و عجزٍ , مُهين

يُحدق في خدعة الأزمنة

خدعة عقاب الآلهة لسيزيف

و عبثية تِلْك الصخرة العملاقة التي حكموا عليه بدحرجتها

إلى القمة

لِتهبُط ثانية و ثالثة إلى القاع و للمرة ما فوق العشرين

يُحدقْ في إثر العابرين , و العالقين

شعبٌ ضاقت بهِ الأرض

زحفنا من الجنوب إلى الشمال , لاجئين

شعبٌ ضاقت به الأرض

زحفنا تحت أنقاض الصدمة , مذهولين

جثثٌ تحت الأنقاض مُتفحمة

و رضّع في أكفانهم , مُقمطين

يصرخ قهرهُ بصمت مُطبقْ

كي لا يُوقظ حلم أطفالِهِ , النائمين

جالِساً صامتاً , مشلولاً

يتصفّح غيماً من نسغ أحقادٍ بشرية

يحصي الأمطار

يحصي هدايا إسرائيل الصيفيّة

إسرائيل سيدة سماءنا

تُمْطّر علينا مناشير تحذير , تهديد

تُهدينا القنابل

صواريخ فوسفوريّة , إنشطاريّة , فراغيّة و كيميائيّة

تُهدينا المجازر

و صمت مُفجّع لحكام بعض عواصم عربية

و أميركا على الأسوار

تتعامى عن قادة الكيان الصهيوني

و تُقصّف الجسور , الشاحنات , سيارات الإسعاف

و حين نردُّ عليها تشّع عيونها غضباً على الرامين

أميركا على الأسوار

تُشجّع الصهاينة على قصف الأبرياء , المُسالمين

و هُم يُشيعون شهداءهم

و تُصلي كي يعودوا إلى ثكناتهم , آمنين

أميركا على الأسوار , تُصلي من أجلنا

تُصلي لإله غير إلهنا

تُصلي لإله الدم و الخراب

تُصلي لإله الموت , و الشياطين

أميركا على الأسوار , تُصلي من أجلنا

و سيدة بإبتسامة سوداء , حزينة لأجلنا

تدعونا إلى وجبة عشاء

قامت بطهيها في البيت الأبيض

و تعجب أنّ ملايين النازحين و المعدمين

لم يجلسوا إلى مائدتها العامرة , شاكرين

صحاَ على قلق يرقص بين الجفون

حدّق في جدارية صغيرة تتكىء على الجدار

فيها ’ تفرّس في ما وراء الأيام

تصفّح غيوم الصيف في جريدة عابسة , شاردة

تشرب قهوة بالحليب ’ تُفكّر في غدها الجريح

حدس , هجسَ

تحسسَ جيب سترتهِ , مفتاح قديم

إطمأن

أنّ الدار سيبقى على حالهِ

ريثما يعود

تلوح في ذهنهِ خاطرة :

لولا الأمل , لبقينا عاطلين عن العمل

صرخت الروح :

قُمْ , أيقظ جناحك و لا تتلكأ

فقفزً منهُ الطائر في المدى

حملهُ خلفه مهرولاً

جناحاً بهياً قوياً

فيا جناح

خذني إلى البحر

لأُنصت لأعماقه حين يكون هادئاً , آمناً

لا تُدنسهُ بوارج الغزاة

خذني إلى البحر

لأرى وجهه صافي الذهن و اللون

خذني إلى التلال

لأُنصتْ لكبرياء السنديان

خذني إلى الجبال

لأرى جبينها عالياً يُلامس الغيم

أما زال الغيم أحمر , أم تلاشى

مع تلاشي الجنود و البيوت و الأشجار العالية

ألا زالت الجبال شامخة , تنظُر من علٍ

أو تعلمت أن تطأطىء رؤوسها

يا جناح

لا تخذلني في سفري

لا تكسرني

لا تُخطىء الطريق

خذني إلى إخوتي

لأنام تحت ظل صفصافة

قرب البيت القديم

- يا أبي , ألنْ نعود ؟

- بلى يا بُني

  سوف نعود

  و الخُطى ثقيلة , ثقيلة

  كأنها على موعد مع إحدى الجنازات

 و كانت جدارية عبث ماجن , كانت " غرنيكا "

و بيكاسو قال لنفسهِ الذاهلة :

 - ما شأني ؟

  أطلْتُ التأمل فيما صنعتهُ أيادِ فاشية

  فرسمت ريشتي فاجعة الخراب

خُطى تعود في طريق الرُكام , تقف على عتبة

و مفتاح يدنو من ثقب صغير

يدنو و ينأى

يُحمْلّق في باب تلاشى كومة في رماد

قرى تلاشت في الرماد

خُطى لا تجرؤ على العبور

و لسْعة مالحة تهبُّ في الجسد

و لا مقعد فوق أرض الحُطام

يحمل ثِقل المفاصل , يحمل ساقين مشلولتيّن

تعبثُ فيها رياحُ التعبْ

و النوافذ خالية لا تردُّ التحيّة

غائبة , غائبة في ضباب الدُخان

دمعةٌ تسمّرت على خدِّ طفل

لمعت في فجر الظلام

- يا أبي

  كم مرة يُولد طائر الفينيق من رماده , كم مرة ؟

يهدر البحر غاضباً , مُحدقاً في السماء

تباً لجدارية تفرض سطوتها و غطرستها الماجنة

تباً لقوم

يُوزعون النَصر على صدر الوطن , نياشين

إشارة النصر الواهمة , راسمين

تباً لِطُغاة الأرض

نسوا أنّ في أعلى الجداريات

رباً عظيماً

قادراً على إخراج الوطن من ليل هذا النفق

قادراً على أن يفرض إشراقته المُدهشة

و لِيسقطوا من هُم بنهارنا و ليلنا , عابثين