أتبكي على لُبنى وأنتَ للهجرِ صانعُ !!

دريد يازجي قرأها 6
 

أتبكي على لُبنى وأنتَ للهجرِ صانعُ !!

دريد يازجي

لمّا كان الانسان يحلمُ بواقعٍ أفضل من الذي يعيش، ويتحرّك في اتجاهِ الحلمِ مُضحّياً بواقعهِ، آملاً في مُستقبلٍ أفضل وأسعدْ فلا يجدُ في يدهِ غالباً إلاّ حسرة الندم لأنّهُ ولو علمَ الغيب لما اختارَ إلاّ الواقع... هكذا حال الانسان في كلِّ عصرٍ وزمانْ.

أسطورةٌ لحكيمٍ صينيّ قرأتها مرات عديدة لأنّها خلقتْ في نفسي تلكَ الحالة الوجدانيّة والتي تتفق مع القول: وجرّب من الحظِ ما يُقسمُ.

فلقد روى ذلكَ الحكيم أنَّ شيخاً كانَ يعيشُ فوقَ تلٍ من التلال، ففرَّ جوادهُ وجاء إليهِ جيرانهُ يواسونهُ في هذا الحظِ العاثرِ فأجابهم بلا حزنٍ: ومنْ أدراكم أنّهُ حظٌّ عاثرٌ ؟

وبعدَ أيامٍ قليلةٍ عادَ إليهِ الحصان مُصطحباً معهُ عدداً من الخيولِ البرّيةِ فعادَ إليهِ الجيرانُ يُهنئونهُ بهذا الحظ السعيد، فأجابهم: ومنْ أدراكم أنّهُ حظ سعيد ؟

ولم تمضِ أيّام حتى كانَ ابنهُ الشاب يُدرّبُ أحد هذهِ الخيول البريّة فسقطَ من فوقهِ وكُسرتْ ساقهُ فجاؤوا إليهِ من جديدٍ يواسونهُ في هذا الحظ السيء فأجابهم بلا هلعٍ: ومنْ أدراكم أنّهُ حظ سيء، وبعدَ أسابيع قليلة أُعْلِنت الحرب وجَنّدتْ الدولة شباب القرى والتلال ما عدا ابن الشيخ لكسرِ ساقهِ فماتَ في الحرب شباب كثيرون..

وهكذا ظلَّ الحظ العاثرُ يمهّدُ لحظٍ سعيدٍ، والحظ السعيد يُمهّدُ لحظٍ عاثرٍ في تلكَ الاسطورة الى ما لا نهاية... وهكذا أحسبها في الحياة إلى حدٍ بعيدٍ، يومٌ لكَ ويومٌ عليكْ.

يومَ كانتْ بداية الطريق لمعرفةِ الحياة وخوضها واكتشافها، ويومَ كانتْ تستهوينا ثقافة وحضارة الغرب، عزمنا على الإبحارِ وكبحِ الشجون والهجرة نحو المجهول بهدفِ التغيير الجذري للحياة كنوعٍ من أنواعِ التضحيةِ والمغامرة.

وبعدَ كلّ الصراع والتحدّي في معركةِ إثباتِ الوجود في المجتمع الجديد لتحقيقِ النجاح المطلوب، والتخاطبِ مع ثقافةٍ جديدةٍ بشرطِ الاحتفاظ بما نحملهُ من أصالةٍ ثقافيةٍ عربيةٍ مُتجذّرةٍ فينا، وبعدَ مرورِ أعوامٍ وأعوام على الاغتراب، أسئلةٌ كثيرةٌ ومتاهات عديدة تراودني في مواقف كثيرة نتعرّضُ لها تُمثّلُ لنا صراعاً بين تقبّلِ الحريّة والانفتاح المطلق على ثقافةِ الغرب بكلِّ أشكالها وتقاليدها الاجتماعية، وبينَ ما ربينا عليهِ أو ما يُسمّى شرقيتنا وعاداتنا الشرقيّة المتأصلة فينا والمنقوشة في أفكارنا رُغماً عنّا، وفي كلِّ محاولةٍ لتطويعها في الاتجاه الآخر نصطدمُ بموروثنا الثقافي العربي والذي ابتعدنا عن جذورهِ بمحضِ إرادتنا ورحنا نتباكى على لُبنى وهي تستصرخُ وتشكو جفوةَ هاجريها..

ليس في نيّتي تقديم أي موعظة أو إرشاد، ولكنّي أسجّلُ الدهشة والذهول من ناحية الانحدار والتدهور والاستهتار المُريب بكلِّ أشكال وسلوكيات الحياة الاجتماعية والحضارية والثقافية وإفساد الذوق العام وتهديدهِ بالانقراض، ما يجرّ معهُ الويلات للأجيالِ القادمة إنْ لم نقُلْ إننا بدأنا نعيشهُ واقعاً مؤلماً وخطيراً جداً...عن واقعِ مُهاجرٍ تركَ وراءهُ عباءةَ العاداتِ والتقاليد، عباءة الأصالةِ، مُخطىء الظنِّ أنّهُ ارتدى الثوبَ الجميلْ..

حنينٌ يراودني بشدّةٍ الى تلكَ الحالة الاجتماعية وتلكَ الأيام الخوالي. فكم أشتاقُ إليها وأتمنّى أن تعود بعدَ أن غدونا في زمنٍ امتزجَ فيه الكذب بالصدق.. وفي زمنٍ طَغتْ فيهِ الخيانةُ على الوفاءِ والمال على عبادة الله، زمانٌ أصبحَ فيهِ المرءُ كغريقٍ لكنّهُ يخشى من البللِ، تتنازعنا فيهِ ثقافتين، ثقافةُ الغربِ وثقافة الشرق وما باعدَ بينهما خصوصاً في مسألةِ الدين والأخلاق دونَ أن نغفلَ عمّا هو جيّدٌ وعظيم من حضارة الغرب.

ولكن.. وبعدَ هواجسي وتساؤلاتي، لستُ أدري كيفَ تجرأتُ على الاقترابِ من شاطىءِ المحيطِ وعالمِ الثقافةِ الأرحب، وإنّي أعلمُ أنَّ الثقافةَ نهلٌ متواصلٌ من بحور المعرفةِ دونَ انقطاعٍ، وأنَّ المثقّفَ الحقيقيّ هو من يعرفُ أنّهُ لا يعرِفُ الكثيرَ، لكنّهُ يُريدُ أن يعرف الكثير والكثير، وانّ الجاهلَ هو من لا يعرف إلاّ القليل القليل ولا يريد أن يعرف المزيد.

لكنَّ الأخطرَ من هذا وذاك (هو من كان مثلي) والذي يعرفُ أقلّ القليل ويُعذّبُ الآخرينَ بقليلهِ.

*        الولايات المتحدة الأمريكية