أجملُ العَطايَا "دوداعُ"

دريد يازجي قرأها 6
 

أجملُ العَطايَا "دوداعُ"

دريد يازجي

في إطارِ استدعاءِ الفكرِ النيّرِ، وفي خضّمِ البحثِ عن الحقيقةِ، ولأنّي في كنفِ شاعرٍ أغرٍّ ربيت، ما جعلني أغرقُ في تأملاتي فوجدتُ ميولاً وحباً للكتابة والمطالعةِ. فكان ظلّ الكتاب صديق حياتي، ولطالما أحببتُ أن أُضيء شمعة ولو حاولت الرياح أن تطفئها وجدتُ من واجبي إضاءة شمعة وقلم على فكر الشاعر الأستاذ أنطون يعقوب شاعر الطبيعة والجمال. 

 فهو الذي نظمَ الشعرَ مُنذُ يفاعتهِ وهو ما يزال على مقاعدِ الدراسةِ وتدرّجَ فيه حتى أصبحَ شعره جزلاً لهُ وقع في النفسِ بما يعتملُ فيه من أفكار عميقة ومعاني سامية وصور أخّاذة ما أكسبه القدرة على إلهاب المشاعر والأحاسيس بالكلمة الفاعلة والصور الفنية والقدرة الإبداعيةِ.

وكانت حياة شاعرنا أنطون حياة هادئة رضيّة وسط طبيعة جميلة خلاّبة تنطق بالسحرِ والجمالِ ما زادَ حسّه إرهافاً ورقة مشاعرهِ رقةً وأجرى الشاعرية الساحرة على لسانهِ.

سْمعت الشتي ميقول

لَحرشنا الأخضر

انْ ما كنت مشغول

تْعا لَنسكر

بعدُن بِبالي تـلال

مسيّجة بدوداع

وعيـن متل خْيال

بالدني ما بتنباع

استند شاعرنا الى ركيزة ثقافية أصيلة وشاملة أعطته هذا الزخم الشعري في الشكل والمعنى الى جانب أنه مُجاز في اللغة العربية من جامعة دمشق. فشاعرنا قارىء جيّد للأدب والشعر ما جعله محدّثاً بارعاً ومثقفاً قلّت نظائره. 

أوّل ما يملأ النفس في شعر الأستاذ أنطون هو هذا الإحساس القوي والعميق بانتمائه الى الطبيعة الخلاّبةِ من حوله، والى حبّهِ الكبير وتعلّقه ببلدته الزويتينة وما حولها من قُرى الوادي الحبيب. فحيثما ذهبنا في شعره وجدنا دلائلَ وإشارات الى نسَبِهِ الثقافي العريق المُشبع بحبّه للأرض التي ترعرعَ فوقها، فأقسمَ أن يردَّ لها الجميل بعذوبة ورقة أحاسيسهِ الشاعريةِ.

زْويتيـنة

يا وادي الدّلب

نِتْخبّى بفيّاتو ونحنا زغار

وتْجِنّ الدّني فينا

وقت ما يطلع الفوّار

بْحِلِم يمّا بْعِلِم كنّا

وكيف العمر من دَينا

عَ مهلو طـــار

لاْ عـاد العيـد يسْعِدنا

وْلاْ عاد الكرم يـوعدنا

وْلاْ عَدْ يضحك بِخيمتنا

ندي إيـّــار

لقد اختار الشعر منبراً عالياً كي يقول كلمته كسراً لكل القيود واستخفافاً بالحدود في نزعة دائمةٍ الى السموِّ فوقَ كلِّ مُثقلٍ ومُعيق.ٍ 

أهداني الشاعر أنطوان يعقوب ديوانه "دوداع" فكان لي أجمل الهدايا وأفضل العطايا.

ولهُ إصدارات عديدة منها : كان يا ما كان، قمر الغياب، الشمس والغربال، و رند.

دواوين كثيرة قرأتُ فيها روحه سمواً على سموٍ، تبعثُ الروح في متذوقيهِ سماءً بعد سماء.. وكلُّ مُتصفّحٍ لشعرهِ يحسُّ بأن قصائده نغمٌ ينسابُ من لحنٍ أغن، وأنّه يرشُفُ رحيقاً في شهدٍ مُذاب وأنّه فيضٌ من روحٍ أمينةٍ على رسالةِ الحياة الصادقةِ.. 

فالكلمة الشعر، أبعد التعبير أثراً لما لها من وقعٍ على الأسماع، وسحر في النفوس ودغدغة له. فهي تعكس صورةَ حقيقةِ الانسان الشاعر وتكشف ما تنطوي عليه النفس من مكنوناتها، وما يختلج القلب من أحاسيس.. فمن كانت مرآة سريرتهِ مصقولةً صافيةً نقيّة تعكس انطباع بيئة الشاعر في نفسه وعن نفسهِ كحال الأستاذ الشاعر أنطون، جاءت كلمته صادقة أمينة بكلّ التجرّد والوضوح.

الولايات المتحدة الأمريكية