إذا أتي الحزن زائراً

دريد يازجي قرأها 7
 

إذا أتى الحزنُ زائراً

دريد يازجي

عندما تدقُّ الساعةُ مؤذنةً ببدءِ معْركةِ الحياة، وتحمّلِ مُعاناةِ الذات، والتصالح معَ النفسِ قبلَ الجسدِ المُعاقِ، والاعتراف بواقعٍ جديدٍ قبلَ التشبّثِ بالأملِ والرضا بقدرٍ محتومٍ.. فلا بُدَّ من سبيلٍ واحدٍ هو التصالح مع الإعاقةِ والتكيّفِ معها، والتعايشِ معَ تبعاتها مهما كانت قاسية، وتوظيف كلّ هذه التبعات لبناءِ حياةٍ جديدةٍ على أنقاضِ أخرى حطّمتها إعاقة الجسد، وبناء أحلام أخرى بالقدْرِ الذي تسمحُ به هذه الإصابة الإعاقة.

وإنني هنا لستُ أمامَ دعوةٍ حالمةٍ لحالةٍ غيرِ قابلةٍ للتحقيقِ، فهُناكَ الكثير الكثير مِمّنْ داهمتهم شرور القدر جاعلةً أرواحهم في أجسادٍ حبيسةٍ لضرباتِ القدرِ والإعاقة، ورغمَ كلِّ ذلكَ القصور الجسدي نجِدُ أُناساً كُثرْ اشتدّتْ عزائمهم وقوّة إرادتهم بكاملِ الوعي العلمي ومداركِ العقلِ السليمِ، واستطاعوا تحويل الهزيمةِ الى نصرٍ، والضعف الى قوةٍ... وما أدلّ على هذا إلاّ ذاكَ الموسيقي العظيم "بيتهوفن" والذي أعطى للبشريةِ أعظم موسيقى وهو أصمّ.. وكذلكَ شاعرُ العصرين بشار بن البرد.. وهو الأعمى.. حيثُ قال

عَميتُ جنيناً والذكاءُ من العمى     فجئتُ عجيبَ الظنِّ للعلمِ موئلا

وأيضاً الكاتبة الأمريكية الشهيرة "هلين كيلر" فاقدة السمع والبصر.. وكُثرٌ تُضافُ أسمائهم الى شوامخِ لائحةِ التحدّي، والنفوسِ العامرةِ بالتفاؤلِ والثقةِ والاعتزاز.

وبعدَ هذهِ المقدّمة أحببتُ أن أُضيفَ لهذه اللائحة الشامخةِ شاعراً مُبدعاً كشموخِ عمّانَ وصروحِ الأردن، الشاعرُ الأستاذ "جاسر حدّاد" والذي عانقَ اللغة العربية بروحه المعطاءة، والقلمَ الأصيلَ بيدٍ تكادُ غير قادرةٍ على التقاطهِ، قاهراً كلّ إعاقاتِ الجسدِ الجسيمةِ وظُلمِ القدرْ.. فإن هي أصابتهُ في بعضِ أجزاءِ الجسد لكنّها لم تبلغ السمع والبصر... وأمّا نعمة العقل.. فأي عقل هذا الذي نقرأ، وهو قادر على مواجهة الشدائدِ والتصدّي لكلّ المصاعبِ والمصائب بأجملِ القصائدِ وأوصلها، يومَ أتاهُ الحزنُ زائراً وضيفاً ثقيلاً مُثقلاً همومَهُ برحيلِ والدتهِ، فتصدى لهُ شعراً فكتب "الى روح أمّي.. أربعة ترانيم" وهذه أولى ترانيمهِ:

تحَيَّـر الموتُ أمّي كيفَ يَغْلِبُـكُـمْ

وكيفَ يُـوْهَنُ فيكمْ عَزمـُكِالصلدُ

إذ طـافَ حَولَكِ عـاماً جاهداً لهِثا

يسعــى إليكِ  ولكن كلُّـه الجهدُ

فقلّـبَ الأمـرَ مشـدوهاً بعزمكـم

لم يألفَـنْ نِـدّهُ من قبـل أو بعـدُ

ما أدركَ السرَّ إلاّ حينَ أبصرنــي

فأيقـنَ الحقَّ أنّـي الهمَّ والقصـدُ

وأنَّ عزمَــكِ لا يُـرجا له وهـنٌ

وإن غـدوتِ رُكـاماً  ليسَ يَنقَـدُّ

إذ كُنتِ تأبيـنَ تركـي دونما سَندٍ

ومؤنسٍ ومــلاذٍ إن غدا البـردُ

أو جارَ دهـري ومنهُ نالني ضَررٌ

ومسّـني الضمُّ  أو حلَّ بـي وَقدُ

لكنَّ ربـي لهُ فينا مشيـئة قـادرٍ قضــى حُكمهُ إذْ ما لهُ ردُّ

فشـاءَ أن تسكُني عليـاءهُ أبـداً

روحاً طهوراً فذاكَ المجدُ والخلـدُ

قضيـتِ أمِّ الى وجهِ العلـيِّ وقد

تركتِني في الدنُّا يقــاتُني الوجْدُ

نقضتِ عَهدَكِ أن لن ترحلي  وأنا

أبقـى فأيـن تولَّـى ذلكَ العهدُ.

ففي خاتمي أقول: ما هذا الشاعر المبدع القادر على تضييقِ هوّةِ الكارثةِ بالاشتغال على ما تبقّى سليماً من الجسدِ، واستنفار طاقات ما كانت ستظهر لولا الرغبة في الحياة وهنا مَكْمنُ القوّة... وهي التي متى توفّرت أعطت الانسان مبرّراً كافياً كي يعيشَ يوماً آخر قد يكون أحلى من الأمس، وهذا ما أرجوهُ وآملهُ للشاعرِ الأستاذ جاسر حفظهُ الله.

·         الولايات المتحدة الأمريكية