لأنَّ الشُعراءَ لا يموتونْ

دريد يازجي قرأها 7
  

لأنَّ الشُعراءَ لا يموتونْ

دريد يازجي

لو اعتصرنا قواميسَ كلّ لُغاتِ الأرض لنْنجد من الكلماتِ التي تفيكَ حقّكَ

فارسُ شُعراءِ الثورةِ الفلسطينيةِ "محمود درويش" تبقى حاضراً فوقَ صخرةِ الغياب, وحارثاً أميناً للهويةِ الفلسطينية، ومَعْلماً كبيراً من معالِمها, وحاملها للعالمين.

فما أعظم الانسان إذا عَرِفَ حقيقةَقدراتهِ ووجّهها للطريقِ الصحيحِ والسليمِ كي تلمع فيه وتنمو, وما أضعفهُ وأغربَهُإذا عَميَ عنها وغرِقَ في أوهامِهِ إلى أنْ تصدمهُ صيحةٌ مُنكرةْ.

ليسَ من الضروري أن يكون كلّ الناسعباقرةً وموهوبين مبدعين, وإنّما من الضروري أن يختار كلّ انسان لنفسهِ المجالَالصحيحَ الذي يُعبّرُ فيهِ عن نفسهِ, وتنطلقُ فيهِ قُدراتهِ, لأنّهُ أولاً وأخيراًانسان...

أعظم مخلوقاتِ هذا الكون وأعجبها... وكمهو عظيمٌ وصادقٌ أنْ أسماهُ الشاعرُ الكبيرُ نزيه أبو عفش "مُعلّماً". فمن لايسمعُ سوى صوتهِ لا يستطيع أن يحكم بصدقٍ عمّا إذا كان جميلاً أو مُنفّراً صوتُالآخرين.

واليوم .. كما كلّ يوم .. شاعرُ الظلِّالظليلِ.. محمود درويش.. شاعرُ الحياة وما بعد الموت. شاعرٌ مُرابطٌ عِندَ حدودِالذاكرةِ, كتبَ فيها عصرَ الجراحاتِ بلسماً شافياً لكلّ العصور, لأنّهُ امتلكَ قُدرةً مُتفرّدةً على استحضارِ الأصوات والصور والروائح التي يَعجُّ بها المكان، والعواطف التي تجيشُ داخل شخصهِ الشاعر, ورؤيتهُ التي غاصتْ في أعماقِ الطبيعةِالانسانيةِ قلّما توافرت في شاعرٍ غيره... فهو منْ استطاعَ أنْ يرفعَالشعرالمُقاوم إلى المنْزِلةِ التي يستحقّها, قاصفاً حِبرَ محْبرةِ الحياة في وجهِالغاصبين.. وما ميّزهُ أيضاً عن شعراءِ عصْرهِ, إنّما مقدِرتهُ على التعبير عنخلجاتِ النفسِ البشريةِ ومعاناتها, في صعودها وانحطاطها, في تسامُحها تارةً وفيتشدّدها تارة أخرى.. ينقلُ كُلّ صاغٍ إليهِ ولشعرهِ بصوتهِ الرنّان إلى عالمهِالأرحب لدرجة أنّكَ تنسى أينَ أنتَ تجلسُ.. وهو الذي نحتَ الشِعرَ بأجملِ الفنونِوألوان اللغةِ العربيّةِ وشكّلها بأبهى وأجملِ الكلماتِ معنى, واهباً للأدبِ شعراًما لم يهبهُ شاعرٌ من قبلهِ, فكان شعر التضاد أثبتَ من خلالهِ حقيقةَ الحياةوالموت.. فإنَّ الألمَ الذي ينتاب الانسان خلالَ مشوار حياتهِ بسبب اليقين أنَّالموتَ هو نهاية كلّ حيّ, ما جعلهُ يقول: إنَّ الموتَ مثلي لايُحبُّ الانتظار، ولأنَّ الموتَ لا يعني لناشيئاً. وإليكَ أيّها الراحلُ الى قلوبنا نقول: في حضرةِ الغيابْ لاتعتذر عمّا كتبتْ.

ففوقَ ثراكَ سيطيرُ حمامُ الشعر, هناكَحيثُ تقفُ شاهدة أمام التاريخ كُتِبَ عليها: فعلى هذهِ الأرض ما يستحقّ الحياة.

إننا محْظوظون إذْ أدركناكَ وأنتَ علىقيدِ الحياة, فالأوقات القادمات من بعدكَ ستكون أكثر قتامةً بالنسبة الى عالمالشعر.

فيا ليتنا نتعلّمُ مِمْنْ كانَ يوماً معنا، يدلّنا على الدرب الصحيح.

ولوهلةٍ قرّرتُ بلا التزامٍ أن أقفُز بينَالأمكنةِ والأزمان وأن أدعوهُ روحاً الى صالونِ خيالي لأبادره السؤال: لماذاقرّرتَ الرحيلَ باكراً الى جنّاتِ الخالدين ؟؟

فأجاب: أعددتُ الزادَ للقاءِ ربّي لمّاعلِمتُ أنَّ الله مُطّلعٌ عليَّ, فاستحييتُ أن يراني في زمنٍ عَلتْ فيهِ صيحةُالخلافات, وما تمنّيتها يوماً وما دعوتُ إليها.. عندها دنوتُ منهُ وقبّلتُجبهتَهُ مُتبرّكاً قبلَ أن ينصرفَ ليتوضّعَ في القلب.

فما تصوّرتُ يوماً أنَّ مثل هذا العظيمالعملاق سيرحلُ باكراً هكذا, بيدَ أنّهُ رحلَ بهدوءٍ وكأنّهُ ملَّ سقوطَ مَنْحولهِ وخلافاتِهم لدرجة شعورهِ بأنَّ ليس هؤلاء منْ كتبَ لهم كُلُّ هذا الشعر.

ولكنّهُ هو الأبقى... فالشعراء لا يموتون

بلْ يبقى الشعر عُصارة الروح نبضاً الىالأبد..

وهلْ حياة الانسان إلاّ فكرهِ ومواقفهِوإبداعاته!!ِ

وهلْ ماتَ المتنبي أو جبرن أو شكسبير!!

إنَّ مَنْ افتقدناهُ الآن هو, ربما, حلماليقظة الذي يُتيحُ لنا أن نسأل عنهُ كلّ يوم, عن شاعرٍ قلّما يجودُ الزمانُبأمثالهِ, وكأنّهُ دوّنَ لنا بأشعارهِ ذاكرة الأمة وعنوانها. وكأنّهُ دوّنَالتاريخَ شِعْراً تاركاً إياهُ ذخيرةً للأجيالِ لا تُقدّرُ بثمنٍ.

درويشُ.. يا مَنْ مشيتَ دروبَ الآلامِشِعراً... فسلامٌ عليكَ يومَ ولدت.. ويومَ أبدعت. ويومَ رحلت إلى جنّاتِالخالدين.

الولايات المتحدةالأمريكية