رسالة إلى أبي
رسالةٌ إلى أبي
دريد يازجي
كعابرِ سبيلٍ نمرُّ على الدنيا ولو أقبلتْ علينا بكلِّ مفاتنها ومباهجها، فليسَ لنا فيها شيءٌ نُبقي عليهِ إلاّ ذكرى مَنْ فرّقتهم عنّا نواقيس الموتِ إذا دُقتْ، وسُنّةُ الأقدارِ إذا حكمتْ... وكأنّهُ القولُ: أحببْ منْ شِئتَ فإنّكَ مُفارقه.
أبي: لا زلتُ أرى عينيكَ الزرقاوينِ تُلاحقاني لتغمراني أبوّةً مثلما كُنتُ أرى فيهما الدعاءَ لي ولإخوتي.. تُنهيني عن فعلِ هذا وتحثُّني على فِعلِ ذاكْ، ولا زلتُ أسمعُ صوتكَ الدافىء وحديثكَ الشيّق كلَّ ليلةٍ قبلَ أنْ أستسلمَ لملاكِ السُهادْ، ولا زلتُ ألجأُ إليكَ عِندَ كلِّ مُفترقِ قرارٍ وأتساءل: كيفَ كانَ ليتصرّفَ والدي لو كانَ في مثلِ هذا الموقفِ؟
أبي: لا أُخفيكَ أنّي تأثرتُ بآرائِكَ في كثيرٍ من الأمورِ لأنّكَ أنتَ مَنْ جعلني مُنذُ طفولتي أُحبُّ القراءةَ وأعشقُ اللغةَ العربيّةَ. وأنتَ مَنْ أحطتني بحبّكَ ووضعتَ لي وصاياكَ وتعاليمكَ لأنظّمَ بها حياتي، وما أدركتُها جيّداً إلاّ يومَ أصبحتُ أباً، لأنّي اعتبرتُها في حينها، وكأيِّ مُراهقٍ، قيوداً وحجَراً في طريق حرّيتي... واليومَ أدركتُ أنّكَ أردتني لؤلؤةً داخِلَ محارةٍ خوفاً من أنْ يأكلها القرشُ وتبتلعها الأسماكُ في بحرِ الحياة.
أبي: الآنَ أعي وصيّتكَ وأراها واضحةً أبينُ مِن عين الشمسِ إذا احتاجَ النهارُ إلى دليل، فبعدَ أن قرأتُ كلَّ قصائدكَ التي لخّصتَ فيها كلَّ فلسفةِ الوجدان، جاءتْ مُجتمعةً كوصيّةٍ واحدةٍ في محبّةِ الوطن أولاً... فالآن فهمتُ وصيّتكَ وأشعُرُ بها وأتحسّسها، تنسابُ في أحشائي، تُداعبُ ظنوني فتُنعشُ آمالي وتدعوني لهجرِ غُربتي التي طالتْ.. غُربةٌ أبيتُ فيها ألاّ تُبطىءَ عجلةُ لساني بعضُ لُغةٍ ومصطلحاتٍ غريبةٍ. فأنتَ الذي علّمتني أنَّ الحقيقةَ غايةٌ كضوءٍ كاشِفٍ في زمن الظلامْ، وأنّها علامة البلوغِ، وأنَّ الظُلمَ عارٌ وهو مقبرة الرجالْ. وتعلّمتُ منكَ أنَّ العينَ التي لا ترى نور الحقيقة عمياءْ، وأنَّ الأذن التي لا تسمعُ صوتَ الحقِّ صمّاءْ، وأنَّ اللسانَ الذي ينطُقُ بغيرِ الصدق أبكمْ. وأنّكَ أودعتَ في قلبكَ حبَّ الوطنِ ونصرة الحقّ، وإنّي اليوم أنهلُ عصارتهُ من قصائدكَ التي بقيتْ كنزاً يُغني مكتبتي، وهذهِ واحدة منها:
مِنْ وحي السادسِ من تشرينْ
|
أنْ يقـولوا عُنصُـريَّ المذهبِ |
ذاكَ قـوْلٌ يا لعــارَ المـأربِ |
|
إنّني ما عشْتُ في الدنيـا فلـنْ |
يخفـق القلـب لغيـرِ العـرَبِ |
|
إنّني من أمـّـة يـا شرفـــاً |
رفـعَ الرأسَ جـدودي وأبــي |
|
حملـوا الرايـات بيضاً نُصّـعاً |
فعلتْ في الكـونِ فعـل اللهـبِ |
|
هوذا التاريـخ يروي فاسـتمـعْ |
فلدى تشريـن أخبـار النـّبـي |
|
واسمعِ التاريـخ يتلـو سِفــرَهُ |
تلـْقَ دوماً أننا شعْـبٌ أبــي |
|
فإذا السّـادس مـن تشريـن قد |
مكَّـنَ الأجـواءَ بينَ الشُـهـبِ |
|
فيهِ حطّمنـا قيــوداً مِنْ خنـى |
حرّرتنــا من شكـوكِ الرّيـبِ |
|
تسْـقطُ الفـانتــوم تهـوي فإذا |
قـائد الفانتــوم مولى الهـربِ |
|
وإذا الميـراجُ فـي الجـوِّ كمـا |
تهربُ الفئـرانُ يا دهـرُ ارقُـبِ |
|
فسلاحُ الحـقِّ أقـوى من عطـا |
ســامُ إذْ أعطـى ولمّا يحْسُـبِ |
|
أحكمَ السـّـام زنـودٌ هـاجهـا |
من لهيـبِ الثـّـأرِ أحلى مطلبِ |
|
جبلُ الشيــخِ وقـورٌ صــادقٌ |
عِندهُ تلقــى عجيـبَ الأعْجـبِ |
|
سلْـهُ عنْ أبطـالنا عنْ جُندِنــا |
عنْ جنــودِ الشـام جُندُ العربِ |
|
سلْـهُ عنْ صحْـراءِ سينـاءَ التي |
وقـفَ التـاريـخُ لا لـمْ يُجِـبِ |
|
صمتَ الدهْـرُ وشُـلّتْ بـاعـهُ |
عنْ قيــاسٍ فيهِ بارليـفُ اندُبِ |
|
ايهِ يا صهيون هلْ يُجدي الطّـلا؟ |
هلْ يُزيـلُ المكْـرُ داءَ الجـربِ؟ |
|
أفدى جُنْدُ العُربِ من شرقٍ ومـنْ |
مغـربٍ جــاؤوا لنفسِ السّـببِ |
|
فتـرامى الكلُّ يبغــي موتــةً |
في سبيلِ النـّصـرِ يا مجدُ اكتبِ |
مرمريتا / 6 تشرين الأوّل 1974
حليم يازجي
سأبقى يا والدي أحملُ في قلبي وصيّتكَ، وأحلمُ حلمكَ، والحلمُ هذا دأبٌ وعزيمةٌ وإرادةٌ لا تنكسرْ، والحلمُ سلاحٌ يمشي بلا قدمٍ.
وأنَّ وطني عِزةٌ وإباء.
* الولايات المتحدةالأمريكية