شمعةٌ أمامَ مذابحِ الشُعراءِ
شمعةٌ أمامَ مذابحِ الشُعراءِ
دريد يازجي
كُثُرٌ أصدقائي، بلْ أصدقاءُ روحي لا بلْ إخوتي، فأيّامي ليستْ واحدة، ما جعلَ قائمةَ أصدقائي تطولُ وتتّسعْ حتّى للذينَ عَرفتهم من بطونِ الكُتبِ، أو أولئكَ الذينَ ولدوا من أرحامِ عذارى بناتِ الأفكارِ النيّراتِ. فحينما يتعذّرُ لقاءُ الأصدقاءِ بما باعدتْ بينهم مسافاتُ الغربةِ وهمومُ الحياة، فلا بأس من التماسِ السلوى بما يُستشفُ من رحيقِ زهورِ جنانِ أفكارهم دائمةِ الإزهرارِ..
شمعةٌ استعرتُ نورها من مشاعلِ النورِ التي أضاءها الشاعرُ الدكتور إياد بديع قحوش فجراً مُشرقاً في قصيدتهِ (الليلْ) التي أهداها، فأضافتْ لربيعِ أشعارهِ باقةً من نور تليقُ بكلِّ مواسمِ الأعيادِ، وأتقنَ العزفَ من خلالها على أوتارِ القلوبِ الحالمةِ والعقولِ المُتأملةِ فأثرى وأغنى، وأشرقَ بها نوراً وهّاجاً فهزمَ ظلام السديمْ..
أخي وصديقي الشاعر الدكتور إياد قحوش، صديقُ الروح، صاحبُ النفسِ العاليةِ المُتطهرةِ المُنصرفةِ عن الصغائرِ، المُتأدبةِ بآدابِ الملائكةِ، الشاربةِ من ينبوعِ الشعرِ الصادقِ.. شاعرٌ تربّعَ بينَ النجومِ العالياتِ عندَ مملكةِ الشعرِ أميراً ساحراً ساهراً يقطفُ من الجنّةِ حبّات الجمالِ قصائدَ، ويسبحُ في عبابِ الفضاءِ ويدلو علينا بدلوهِ الذهبي من بُركةِ السماءِ شعراً يتلوهُ بصوتهِ الهدّارِ الواصلِ لأبعدِ نجمٍ، وكأنّهُ أسعدَ جبريلَ فأتى ومعهُ ملائكةُ الشعرِ لتصفّقَ لتراتيلهِ وتسبّحَ معهُ ربّ السماواتِ والأرضْ..
ليلتها: كانَ البدرُ يسترقُ السمعَ والبصرَ وينصتُ بإمعانٍ لينقل لكلِّ متأملٍ ساهرٍ أمسيةَ النجوم.
ليلتها: همسَ جبريل، فسمعتْ كواكبُ السماءِ همسهُ... هذا هو الشاعرُ الآيبُ إلينا على سفينةِ فضاءِ الشعرِ ليَعُبَّ من موانىءِ المعرفةِ الإلهيةِ شعراً... فهو السفينةُ وهو البحرُ والبحّارُ....
شاعرنا إيّاد: لا يُهادنُ ولا يمانعُ بشعرهِ الماطرِ أدباً وتأملاً، والغنيّ بالرقّةِ والاستعارات الجديدةِ كمناراتٍ تُرشدُ إلى طريقِ الرؤيةِ الصادقةِ للحياة المُبتعدةِ عن الصناعةِ الأدبية، النازلةِ كقطراتِ الندى عندَ توظيفِ الاستعارات من بساطةِ مفرداتنا العاميّة اليوميّة، ففي باطنِ شعرهِ إيقاعُ الشعرِ الأصيلِ، وفي وقعِ أقدامهِ حداثةٌ ورسالةٌ تجمعُ الخيرَ من أطرافهِ وتحملها لكلّ ناظريه.. فهو الذي يكتبُ بأصابعِ الروحِ ويتلمّسُ عراءَ الطبيعةِ وما وراءها وكأنّها ابتهالاتٌ مفعمةٌ بالأسرارِ المُقدسةِ، انسيابيةُ الإيقاعِ تلبَسُ ثوبَ الموسيقى وكأنَّ الشاعر إياد أرادَ شعرهُ عُرساً جديداً لمستقبلٍ واعدٍ يُقبِلُ على قارئهِ كعروسٍ تنثالُ وتتباهى معَ الزغاريدِ..
شاعِرُنا إيّاد: يمتلكُ المُباشرةَ ويفتحُ نوافذَ للشعرِ غيرِ مطروقةٍ أبداً، تُطلُّ على عوالمَ أُخرياتٍ نقلتني معهُ من عالمِ الوعي إلى اللاوعي، ما ألهمني أنْ أُراقص قلمي لأدوّن صدى مشاعري نحوَ هذا الشاعِر الذي لا يُشقُّ لهُ غبارُ...
في قصيدةِ الليلِ كلماتٌ نطقتْ من نورٍ، وأغدقتْ في فيضها بإيحاءٍ من طِلاءِ النجومِ لتُسافر في عقولٍ وتأسر كُلَّ أصنافِ القلوبِ وكأنّها واحاتٌ نيّراتٌ في عتمةِ الليلِ صارتْ تُعانقُ الروحَ لتنشر الأضواءَ في عتمةِ كلِّ الدروبِ، وتستحضرُ بحضورها كلّ الزهور لتستقي منهُ سنابل الأحبّةِ والأصدقاء..
هوذا الشاعرُ إيّاد، يجمعُ بواقي الشعر ليصنعَ تاريخاً.. فكما حَفِظَ الشِعرَ فوقَ صفحاتِ قلبهِ ورتّلهُ نغماً فأطربنا، هكذا سيَحفظُ التاريخُ لهُ الشِعرَ ويمجّدهُ. فلا الشعرُ قادرٌ على على بلوغِ ذاتهِ، ولا النثرُ على عَدِّ حسناتهِ، ليبقى إيّادُ شاعراً وريثاً لجمالِ الأنبياءِ...
دريديازجي
الولايات المتحدة الأمريكية