تحيـّـة شكــر
تحيـّـة شكــر
سوزان ضو
"علّمتني الشجرة أمثولة الصعود، وهي عندما تبلغ نضجها تحمل الثمار والبذور كي تواصل حركة صعودها من الداخل"
الأب يوسف يمّين – مواد مشعّة–
غادر صومعته البعيدة، دون أن يهجرها، فسافرت كلماته إليّ لتنزرع بين دفاتري، تحيّة صدق من عالم جاور التصومع.
أهداني "مواد مشعّة" فألقت بنورها على كلماتي لتستحيل أوراقي بعد قراءة ما كتب، أرضاً عطشى لمزيد من الإشعاع.
حاولت أن أفهم أكثر، أعدت القراءة مرّات عديدة، تخطّيت حدود الابتسامة التي أرسمها عادة على ثغري بشكل عشوائي، لأدخل في عالم الابتسامة التي تحملنا إلى الآخرين فتضيء عليهم وتضفي علينا نوراً ينبعث من القلب رسالة سلام.
في فلسفة من لون آخر حاولت أن أتعمّق، أن أدرك بعقلي المتواضع تَجَذُّر الرّابط الوثيق بين الذرّات والأثير وكل ما له وجود حولنا، فلم تتعدّ اكتشافاتي حدود معرفتي بأن كلّ ما يخضع أو يتمتّع بأي شكل من أشكال الحياة يرتبط بما عداه أو جاوره أو تخطّاه برابط يستحيل فهمه أو تحليله.
قرّرت الاستقالة من الكتابة والاستسلام لقانون القراءة بِشَكْلَيه العامودي والأفقي، علّه يسهِّل عليّ رحلة البحث عن الأجوبة التي طالما حملتني إلى محطّات أكثر جهلاً من نقطة الانطلاق، فإذا بي أقع في متعة الحصول، للمرّة الأولى، على أجوبة من دون طرح الأسئلة.
في كلّ سطر من سطور الكتاب تعاليم يجب اتّباعها، في كلّ كلمة من كلمات السطور أحرف تتشابك وتتراقص ثمّ تترك مكانها الصغير وتتحوّل إلى جملة ترافق ما يأتي بعدها ليرسم الجميع إطاراً لمضمون شامل يُفَسِّرُ بعض جوانب الحياة والوجودية بمعناها العميق وأبعادها السماوية.
في مكان ما من الكتاب، تمنّيت لو أن ذاكرتي كانت بيضاء لأغَذّيها بما أقرأ وأكتفي، ولكنّها، وهي المثقلة بما حفرته السنين بين ثنياتها، قررّتِ الدخول في نقاش عميق بين ما تعرفه وما تقرأه، وفي النهاية جاءت النتيجة واضحة: نتقلّب كثيراً بين فكرة وأخرى لنعترف في نهاية المطاف بأن الأرض عقدت زواجاً طبيعياً بين الصّمت المطبق والصحراء الشاسعة، لنتعلّم منها أن الصّمت أحياناً يكون أفضل كلام ننطق به، وذلك بانتظار أغرب غربة نعيشها حين نسكن التراب في رحلتنا الأخيرة.
وفي مكان آخر واجهت حقيقة لا مفرّ منها: لننقذ غريقاً يجب أن نتعلّم السباحة وإلاّ غرقنا معاً.
فكيف إذن، وأنا المبتدئة في عالم الكلمة، يمكن أن أقرأ وأناقش بدون أن أُغْرِقَ بلاغة ما أقرأه وأناقشه في سطحيّة جهلي وأُمِّيتي؟
ببراعة العارف لما خفي من الأمور، شدَّني للخروج من خوفي في عدم إعطائه حقّه، بأن ذكّرني بأنّ الحلم حين يموت في أفق الإنسان يكون جوهر نفسه قد فارقه فعلاً، وحين، مع كلمات الإهداء، تأكّدت أن لحلمي مكاناً أبعد من السّراب، قرّرت المضي قدماً ومتابعة القراءة إذ بعض ما قاله يحملني إلى الإيمان بأن "بين ثنايا وردة واحدة تنام أحلام كثيرة".
الأب يوسف يمّين،
لأنّ قيمة الوقت تفوق كلّ ثمن، إسمح لي أن أسرق بعضاً من وقتك الثمين لأقول لك شكراً مرّتين،
مرّة لأنك تقرأ ما أكتب، فتضفي بمرورك على كلماتي إشعاعاً ينير طريق المستقبل، ومرّة أخيرة لأنّكَ أغنيت عقلي بما قرأته عيناي في كتابك الذي صار بين يدي رفيق الأسئلة التي طال بحثها عن أجوبة،
لتجدها أخيراً في "موّاد مشعّة".