طفولة تتقدّم نحو طفولتها - 3
طفولةٌ تتقدم نحو طفولتها
دانية بقسماطي
-3-
أيتها الخُطا المُوغلةُ في السيرِ نحو الطفولة
أيُها الطفلُ المُمْعنُ في تسلقِ جبالِ أحلامِكَ العاليه:
لعلّك نسيتَ، أنك صحوتَ
ابتهجتَ، أزهرتَ، وزهوتَ
لعلّك تهْتَ
فسهوتَ عمّا رأيت
لعلّك أحسسْتَ أنك شُخْتَ واستنفدتكَ الدروب
فهزّك الحُلم
أباحَ لكَ مخدعَه
رفّ عليكَ مناماً مطرزاً بعثاليج
تُقصي لوعةَ الغروب
فأخذتْكَ سينفونيةُ الرؤيه
لمعزوفةٍ صيفيةٍ
أغدقت عليك
من سلالها عرائس
اكتنزَت بحبات تينٍ وسُكّر
وفي انبهار خطواتِك
تُشرق خُطاك
على عتبةِ إصطبلٍ
يرقدُ في هضبةٍ خاويه
وطأتَ حافياً، قشاً يابساً
بقايا قمحٍ مُرٍ
ما تأوّه
لمْلَمَ جهاتِكَ كُلّها، وحلّق بِك عالياً
فأثمرَ المنامُ
أبجديةً تنْبضُ لغةً ثانيه ...
حصانٌ ... لا أبهى ولا أوفى
يجثو بين يديك ... سلاماً
وقعُ شفتَينِ حارّتين
شفةٍ
تُحصي الخطوط، تمحو تجاعيدَ الزمن
يتبعثرُ التاريخُ الموُصِب
تلالٌ من قشٍ
تحضُنُ مرارةَ أيامكَ الماضيه
وأُخرى
تقضُم حبات السُّكّر
فتنحّلُ عقدُ زنانير أصابعك الحانيه
وترتاحُ الشفتان
في حقلِ كفِك
لتنقِب عن الفردوس
في خطوط عُمرك
تغوصُ، تسْرح
تعلو، تهبط
تعرقُ، تلهث
تحرثُ، تزرعُ والرياحُ ... تحصدُ
تجمعُ حصادَكَ ...
مشروعَ انصهارٍ
وتذوب تذوب
في كبد التين المُسكّر
فيما الشمسُ تترجّل عن سِرجها
لتُحيي شرايينَ الغيم
الينابيعِ، الحقولِ والزهرِ البريّ
وتُعانق الرياح
الماسحةَ بمنديلها النزْف الدافقَ من أوردةِ الطفولة
أنا الحلُم، تذكّر :
طال رُقادُك، انْهض
قِفْ خاشعاً
واعزِفْ مقطوعةَ شكر خالدة:
حمداً للخالق ألفَ حمدٍ
وتذكّر:
أن تكون هادئاً صافياً زاهيا
كُلْ رغيفك الساخن
هانئاً راضيا
هدأتُ، و قُلتُ لحارسي:
لي
نومُ العوافي، وعبقُ الوسادةِ الحريريه
ولفضاءِ الغُرفة
أن يبقى بعبقِ الأحلامِ مخمورا
عليك
أن لا تُوقظَهُ من سَكْرتِه
ومهمّتك السّهر علىّ
كي لا يُطيل النومُ منامي
الحُلمُ هوايتي، والخيال الشاهقُ حرفتي
مهنتُك أن تُوقظني
وترمي لي سلسلة المفاتيحِ القديمة
ولي
أن أغافلك طفلةً مشاكسة
أتسلّلُ، حاملةً كاميرا صغيرة
انتقت من الصور
ما شاءت من نبوءاتٍ
لي
أن أعبرَ باب الحُلم بخفةِ دوريّ
ولظِلّي أن يسبقني بترقبٍ وصمت
ولي، أن لا أنسى
المُضيّ
حُرةً، حرةً من حُلمي
وأجلسَ وحدي غريبةً في مقهى قُبالةَ جريدتي
تقرأني وأقرأها
فيغتبطُ فنجانُ قهوتي
وشعاعٌ زمرديٌّ يلمعُ من بئرِ عيني
لبريقه
غصنُ غارٍ يكلّلُ جبيني
يُضيئني ويُؤجّجني
يُعرّيني ويدثّرني
يحضُنني ويسكُنني
وينثُر عليّ
من نقش الروح
أريج ألوانٍ فردوسيّه.