حضرة الغياب العالي - في رحيل الأستاذ فواز ميقاتي (رئيس تحرير جريدة همزة وصل)

دانية بقسماطي قرأها 441
  

حضرة الغياب العالي

في رحيل الأستاذ فواز ميقاتي (رئيس تحرير جريدة همزة وصل)

دانية بقسماطي

أنبلُ الجبال، جبلٌ

يُحصِّن الأشجار بخصوبة التّراب وكنوز الأرض،

وسخاء المطر وقوّة الريّاح.

أنا هُنا لا لأرثيه، بل حضرتني الحروف للتأمّل في غياب الإنسان عن الأشياء والمكان. والتلفّت الى الأمس القريب واستحضار اللحظات الجميلة.

فنحن دوماً نؤمن بأنّ الغد يُخبّىء لنا الأجمل، لكنّ الحياة تُفاجئنا دائماً بالخيبة والفجيعة.

لم يُمهلني الأمسُ للتعرّف على فواز الشخص، فما زالت ولادتي في أُسرة همزة وصل حديثة، لكني تعرفتُ على الإنسان ومؤسس هذه الأسرة...

 أستحضرهُ الآن: جبلٌ يلتفُّ بكبرياء السنديان

هادئاً مسترخياً خلف مكتبه، يحتسي القهوة، يحرق تبغه، يُعانق الوجوه لِيوزع على كلّ منا حصّته من البسمة والمودة.

إذاً، أنا هنا، لا لأرثيه بل للتأمّل في الأمس الجميل والتّحديق العميق في مهنة الموت الأزليّة.

والصّراع الأبديّ بين الموت والحياة.

فالحياةُ ترحال في مجموعة من الصناديق

سفرٌ من صندوق لآخر، وموقعنا هو الذي يُحددّ هُوِيّتها:

فالشّرنقة صندوق، والبيضة صندوق

جهاز العروس صندوق، وحبّة القمح صندوق

المعرفة صندوق واسع، كما الخلق صندوق شاسع الخضرة.

ثمّة صناديق للموت وأُخرى للحياة.

والأعمال الإبداعيّة صناديق لا موت فيها. صناديق، من شغلنا اليدويِّ نملأها من رحابة خيالنا الواسع وقوّة الروح النضاليّة المُنتصرة على الزائل بالخالد.

إنّها الصّناديق التي لا تحترق، صناديق المجد والخلود.

هي البذار التي ينثرها الكاتب في سهول شاسعة، ففي كلّ عمل إبداعيّ ولادة مُستمرّة وقدرة عالية في التّطاول على الموت والإنتصار عليه.

بذار قمح كثيرة نُثرت لفواز ميقاتي، لكنها أخّف قدراً من السهل الشاسع الذي نثره أُستاذنا وكبيرنا للمسكونين بالصّراع الإجتماعيّ والطّبقي والوطنيّ ولعشاق حريّة الفكر والجسد والأرض.

فواز ميقاتي، الحاضر فينا سيرةً ومسيرةً

هو الآن، في حضرة غيابه العالي

جبلٌ تُطوقه خواصر السَّماء

الجبلُ الحاضرُ الحيّ.