حبَّار يُنمِّق جسد صُبَّارة
.jpg)
جفوني أرقٌ
ووجهي قلقٌ
وحلقي رمالٌ
وخطوي قيودٌ يَلتهمُها الاشتهاءُ إلى الأُفق.
ها.. أنا ذا أرتحلُ وجفوني في رِواق المنظار الطويل،
ننشغلُ بالخريطةِ الفضائيّة لِطردِ الضّجر،
نسيرُ من خطٍ إلى آخر:
كلُّ نجمٍ سفرٌ، كلُّ كوكب بلدٌ
نرصدُ، نتأمَّلُ، نُلاحظُ، نتحدَّثُ، نكتشفُ، نُثارُ،
جفونٌ ترتحِّلُ على أقدامِ نجومٍ تحرثُ أديمَ الفضاءِ،
تحصدُ واحاتِ حبرٍ
وتُجدِّدُ صحائِفَ لغةِ هذي البوادي.
أهبطُ إلى الأديمِ التُرابيِّ
أنا الصُبَّارةُ
أرى الأشجارَ حولي
تئنُّ، تهذي
لِعُريِّ أغصانها ويباس أورِدتِها:
هذي دروبٌ بدَّلت معالمها
قوافلُ استراحت من وعثاءِ السعيِّ ومضَتْ
الرملُ التهمَ رنينَ الخطواتِ
والريّحُ تقرعُ طبولها في رئةِ المتاهاتِ
أرضٌ داخلَ جلبابها الذهبيِّ
تترنَّحُ، وأنحاءُ الأكمام تتوسَّل قبَّة السماء.
هذي نبتةٌ،
يداها ورقٌ مُترهِّلٌ على نافذةِ بيتِها
تحرُسانِ صدأَ العتبةِ
ألهذا، لا أُصافح إلاَّ ذراعيّ الرّيح؟!
ألهذا، قيّدتُ خاصرتي بهبوب جذعي
ورُحتُ أتطايرُ في جنون العَصْف؟!
شمسٌ، أنا وشمسي
من قال الشّمسَ عدوّتي؟
الشّمسُ وأنا جارتان، سلامٌ
يا جارةً تغرزُ أظافرها في عنُق وقتي
وأُحييِّها بأزهار الصُبَّارِ المُموهَّةِ بالذهب.
- النخيلُ قال: شوكٌ يسكنُ جسد صُبَّارة
عُصارةٌ مُرَّة
عروقٌ غارقةٌ في مراراتٍ تهصُرُ قامةَ الفرحِ و الغناءِ
- مُرَّة ؟
بلى،
قصبٌ تثقبُهُ مناقيرُ الرّيح
نايٌ يسكبُ القطراتِ
في مسامِ أوراقٍ ثخينةٍ
لا تُتْقنُ الخُضرةُ فيها إلاّ أن تصفَّع خدَّ الظمأ.
شوكٌ؟
ليس إلاَّ إبراً مغروسةً على قارعةِ الروحِ
رداءً،
يخفرُ القلبُ الصّبر ونبوءة الأشواق
ويمنع الجسدَ من أن يتزيّى السُكَّريَّ من الأثواب
كي يُعانق ثوبه في كبرياء.
غيرَ أنّي رصدتُ قمراً قَلقاً
يمدُّ يديهِ وسادةً،
لأطرافِ الشوقِ في اللّيل الوضَّاء
القمرُ الذي كان لا ريحاً ولا مطراً ولا جليداً،
هوذا الآن ينطِقُ رياحاً:
- إن لمْ يضحك لكِ القمرُ
إضحكي لهُ أنتِ، فتجديه يضحك.
هكذا همست حنجرة القمرِ
أو
ربَّما، تخيَّلتُ أنّي أسمعُ بريقَ همسٍ
أو
ربَّما، توهّمتُ أنّ وجهي يتلألأُ للمُترحّلةِ المُقيمةِ في ظنّها
وهمستُ لوجهي:
- جرِّب في حضرة السحرِ أن تتبسَّم
تفحصتُ زهوَ إيقاعِهِ
وأصغيتُ إلى ما يهمُسُ:
ها كهلةٌ تتدرَّبُ في قحل العمر
تُعلِّم طفلةً أن تتهجّأَ ضحكةً وتُكثِرَ التهجئات.
قمرٌ ساحر فاتن في حبرِ عينيهِ بهاء
قرأني خليَّةً خليَّةً
امتطى الحلم حرفاً حرفاً
وهبط على صهوة فرسٍ من إصطبلِ السماء
أتخيَّلُ؟
- لا،
ها إنيَّ أشهدهُ، يخترقُ أسوار أسواري
يتغلغلُ في أغواري
بين ساعديَّ، في رئتيَّ، في سُرَّتي، في قدميَّ
ناحتاً جغرافيّة البراكين في ينابيع خُطايَ
وها إبرُ الأوراق تتراكضُ في قبوِ البدن
ونبضُ خلايا الورق يشهقُ ويتعانقُ ويرقصُ
ابتهاجاً في جوقةِ احتفاء.
ولماذا غضب الصخرُ
حين رأى قمراً يُحبِّر الأرض فيَّ؟
يُخطِّط حدودَ لوحةٍ بأطراف أنامله
يزرعُ في جذورها جمَرَ أعضائه
يُنمِّقُ حروفها من مداد يُبْهرُ الشعراء
وكيف، ومتى، ولِمَ
وَرست تِلْكَ الصخرةُ؟
ها هي تتقدَّمُ، تطوفُ، تسألُ:
التحوّلاتِ،
الجهاتِ،
الهالاتِ،
الفجواتِ،
الآفاق،
كيف قمَّرها ذاكَ الحجرُ؟
يصيحُ وجهي عن حقٍ:
- ها أنا القمرُ !
وأعودُ لأقول: ما شأنُها
بمخيِّلة تُعطي ريشتها ليد حبَّار
يُوَرِّق أرضها بعرائش الظنِّ
وما شأنُها الآن؟
أن تقرأ التحوّل في قسمات وجهي
وطفلةٌ، تقفز من قبة الواقع
تجلسُ على رُكبتيَّ
تتذوَّقَ ذُرىَ وهمي
وتغور في ضحكْ
من سفري الحُرِّ وإقامة تشرّد ريشتي.
وأنتَ، يا رأسي
قُلْ لي من أينَ لكَ تِلْكَ الرّيحُ الشَّماليَّة
التي يتوالدُ فيها العصفُ؟
لكنْ، تابع تابع الترحّل في بِيد التوهُّم.