دمـوع وكـلام وعـزاء...
يُروى أنّ الحكيم الشاعر اليونانيّ "سولون" شاهد أحد أصدقائه يبكي موت ولده بكاء مرًّا، فقال له: "إنّ دموعك لا تفيد شيئًا، يا صديقي"! فأجابه الصديق الثاكل: "أجل، إنّي أبكي لأنّ دموعي لا تفيد"!
ويُروى كذلك عن الخليفة المأمون أنّه ذهب يومًا إلى امرأة استشهد ابنها في إحدى المعارك، كي يقدّم لها العزاء، فوجدها تبكي بحرقة. وحين طلب إليها أمير المؤمنين ألّا تبكي، وأن تعتبره ابنًا لها بعد ابنها الشهيد، قالت الأمّ الثاكلة له وقد فاض دمعها سيّالًا: "وكيف لا أبكي على ابنٍ أورثني ابنًا مثْلَك"؟!
وأمثال هاتين الحكايتين -عددًا ودلالةً- ليس بالقليل. يأتي المُعَزّي ليقدّم واجب العزاء، فتنقلب التعزية إلى نقيضها. يتكلّم مبتغيًا تخفيف وطأة الأسى لدى المفجوع، فيضاعفها من حيث لا يدري ولا يقصد.
ترى، لِمَ لا ندع المحزون يبكي كما يشاء، دونما عتب أو انتقاد؟! ما العيب وما الضرر في أن يذرف الدمع؟! قد تكون دموع العين أقلّ حرقةً من دموع القلب بما لا يقاس. قال الكبير ميخائيل نعيمة: "شتّان ما بين دمعة في العين ودمعة في القلب"!
كـلام... وكـلام
ثمّة ما يلفت الانتباه دومًا في مَآتمنا، ويخيَّل إليّ أنّ الكثيرين لا يستسيغونه. لِمَ نفترض أنّ واجب تقديم العزاء في المآتم يتطلّب بالضرورة من المُعَزّي أن يتحدّث بكلام عزائيّ أو يُفتَرض أنّه يجلب التعزية؟! الحديث قد يداوي، وقد يكوي. قد يكون في الحديث شِفـاء، لكن قد يكون فيه شَقـاء. ليس من المؤكَّد أنّ المُعَزَّى في حاجة إلى كلام مكرور يقال في كلّ مجلس عزائيّ، كمثل قولهم إنّنّا جميعًا على هذا الطريق، وإنّ الحياة زائلة، وإنّ الموت كأس دائرة على الجميع، وإنّ الإنسان ضعيف... تلك حقائق يدركها سلفًا كلّ مَن فَجَعه موتٌ، ويَحفظ بعضَها عن ظهر قلب، وقد يكون محتاجًا إلى سماع غيرها، إلى سماع ما يهوّن عليه ويمضي به مدفوعًا (مدفوعًا لا مدفونًا!) إلى متابعة حياته طاويًا الألم أو بعضه ببعض أمل ورغبة في السير والعمل. ولئِنْ كان الصمت في بعض الأحيان بلاغة، فإنّه في بعضها تعزية. مجرّد الحضور والجلوس مع من فَقَد عزيزًا قد يكون شكلًا من أشكال العزاء، وإن لم ينبس المُعَزّي ببنت شفة.
قبل نحو عشرين عامًا، حين رحلت أمّي (وهي في الحادية والستّين)، لم أجد لجرحي عزاءً أجدى وأعمق ممّا تذكّرت أنّي قرأته ولفت انتباهي منذ سنين بعيدة، حين كنت في الصفّ التاسع، عام 1980. كان عزائي في ما كتبه ميخائيل نعيمة (1889-1988) في كتابه "سبعون" الذي أصدره عام 1959، والذي أودع فيه سيرة أوّل سبعين عامًا من حياته المديدة العريضة ذات التسعة والتسعين حولًا. نعيمة الرائع هذا أوْرَدَ هناك ما كتبه على أثر وفاة والدته عام 1944: ..."فكأنَّ بعضي مات بموتها، وكأنّ بعضها ما يزال حيًّا في حياتي. فكلانا ميّت. وكلانا حيّ".
على هذا النحو يجعلك نعيمة قادرًا على مواجهة الموت بشجن لا نواح فيه، وبصمود لا ادّعاء فيه. هكذا، من شأن كلامٍ وجيزٍ عميقٍ أن يُبَلْسِم جراحًا عميقة، وأن يترك في النفس أثرًا طيّبًا تعجز عن تحقيقه مواعظُ وخُطب وكتُب! لأنّي على قيد الحياة، ولأنّي بعض من أمّي، فهي لا زالت هنا رغم أنّها هناك! هكذا أريد أن أعتقد. هذا ما أريد أن أقتنع به.
كـلـمـات صـديـق
وفي هذا السياق، أرى من الجدير أن أشير أنّ أثر كتاب نعيمة الثريّ ذاك فيَّ ("سبعون" -المكوّن من ثلاثة أجزاء) لخّصه قبل بضعة أعوام ببضع كلمات لست أنساها زميلي وصديقي العزيزُ، أستاذُ اللغة العربيّة صالح أبو ريّا. في إحدى سفراتنا المتعبة الممتعة إلى مركز امتحانات الثانويّة العامّة قرب تل أبيب، خلال تبادلنا الحديث، قال صديقي صالح ما لم أتمكّن من قوله والتعبير عنه مذ قرأت ذاك الكتاب الجميل الذي غيّر جوانب مهمّة في حياتي ووعيي واهتماماتي. قال صديقي صالح، مقسمًا بالعليّ القدير، إنّه حين أتمّ قراءة "سبعون" أحسّ أنّه قد قرأ مكتبة بأكملها!
15/2/2016