اقفزْ عظيماً في السماء... الى أمير الشعراء... محمود درويش
اقفزْ عظيماً في السماء...
الى أمير الشعراء... محمود درويش
د. شفيق يازجي
سيدي أنت لا تعرفني... ومن الطبيعي ألا يعرف القبطان ركاب السفينة... ولكنني تحسّست أعمالك منذ يفاعتي... كما يتحسّس الرداء الداخلي نبضات القلب... وتذوّقت كلماتك مع الزيت والزعتر... ومع الصبّار والقمح واليقطين... ومع الهندباء والخبيزة البرية المتسللة من بين شقوق الصخور في منحدرات الانتماء... وشممت قصائدك مع سحابة صفراء تحمل رائحة الليمون... وتستظل بفيء السنديان والسرو والصنوبر... لتظلل أرض السنابل والأقحوان... ولتحطَّ على شعرِ كنعانيةٍ ثكلى تقطف نعناع الخلود...
ورأيتك ويمامتان شريدتان تبيِّضان رسائل المنفى على كتفيك...
رأيتك تمتطي حصاناً... تحاصِر وتحاصَر... وتلتقط ذراعك المبتورة... وتضرب بها عدوك... عندما يكون لا مفر... وباليد الأخرى رأيتك تضمد جراح أحمد العربي ليقاوم... عندما لايكون هناك وقت للمنفى...
رأيتك وأنت تلملم زهر اللوز... وأكواز الصنوبر... وزقزقة العصافير وتغريد الطيور... والظل والشمس وسرير البحر والسماء والغروب والبرق... لتصنع منها تمائم لترمم جسدنا المهترىء... ولتدربنا على سماع أغاني الفرح القادم...
رأيتك وأنت تجمع من تحت شجيرات البلوط... حطيباتٍ لشعلة المستقبل الأبدية... وسمعتك تدق الطبل... وتغني للفراشات... لللازوردي المبلل بالرطوبة وبالندى الليلي على سعف النخيل... وعندما تتعب تستريح على حجر بانتظار السفينة أو القطار لا فرق لمن لا يحمل من الحقائب سوى خريطة وقصبة مزمار وقصاصة ورق... على شكل جعبة لئلا تهرب الكلمات الطلقات... ثم تسافر فالجنوب لك... والشمال لك... والشرق لك... والغرب لك... وكالطيور المهاجرة تلقي التحية... ولكن دون تكاثر... فأصحاب الرسائل الملاحقون لا ينجبون أطفالاً... وانما يبذرون الكلمات على مخطوطات بُردى... أو جدر خزفية... أو صفحات وردية... لا يتمغنطون في المكان... بل كالريح ينشدون ويرحلون سريعاً... ولكن دائماً فوق المكان...
وعرفتك مثل زرياب... تحمل أوتارك وترحل... من بغداد الى دمشق... ومن القاهرة الى الأندلس... لتخبر كجدك الحكواتي... كيف ينتصر الحب... وكيف تضاء الشموع... وكيف تصدق المواعيد... وكيف تسقط البندقية التي تفصلك عن عيون ريتا العسلية...
ورأيتك وسمعتك وعرفتك... وأنت تلهث وتترنح وتبكي... على طريق الكرمل وجبل الجلجلة... وتشير بيدك الى خشبتين... والى بضعة مسامير... والى اسفنجة من الخل... وفي استراحة قصيرة... تكتب كلمات لترددها بنات بيت لحم... على باب قبرك... في اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس أو الأربعين... ولتحفظها ريتا الجليلية... وهي تبحث عنك... وعن عنوانك المسافر... بين بيوت الفقراء... في ألحان مرسيل... وعلى دروب الآلام... وفي كل العيون العسلية.
سيدي... لم تقل يوماً: من ضربك على خدك الأيمن، حول له الأيسر... ولم تقل: العين بالعين، والسن بالسن... ولكنك شرّعت لمملكة... اسمها مملكة الجمال... أحجارها من كلمات الغزل والحب والعشق... وأعمدتها من عدالة وحرية... وأرضها من زهر البيلسان واللوز... وأهلها كعصافير الجنة... ونشيدها يعري الجلادين... ويصدىء بنادقهم... ويهز كالرعد قصورهم... سيدي... كلماتك تمتد عميقا في شراييني... وأنت تتكىء على الأيقونات... وعلى قبة الصخرة... وعلى أبراج الكنائس... لترى ما تحت الخيام وما بين الأكواخ... لتسمع أصواتهم... وترسم أحلامهم... بما يشبه خرائط الملكوت... ثم تتكئ على الحدود... وعلى أسلاك المنفى... وتبشر من هناك بمواسم القمح والورود... ليضيق المنفى على الجلاد... وعلى حراس الحدود... تتكىء وعيناك تنظران الى الأعلى... لتبحث عن السنونو في فضاء هابيل... وتتمطى بقامتك نحوها... لترى ما فوق النجوم... لتبحث عن كل شيء أو عن اللاشيء... ولكنك لاتلبث أن تعود لتتلمس مواطن الحزن في جسدك... ومواضع الزنبقات السود في قلبك... وآثار اللهب على ظهر الوطن... فتقصف الجلاد من جديد بقصيدة... لوركا مثلا... وتتوعده بغابات الصفصاف... وتتنبأ بزلزال واعصار لا بد أن يزأر يوماً...
سيدي... سبعة وستون عاماً... ونحن نستظل ببندقيتك المصنوعة من كلمات... وبسيفك المجدول من زنابق... وبرمحك المصقول على شكل قلم... وبحجارتك المكورة لتأخذ شكل كف طفل... وبالأغاني التي تناسب حناجر اليتامى والأرامل... فيحاصرونك وينفونك... فتحاصرهم وتنفيهم داخل أقنعتهم...
سبعة وستون عاماً وأنت تطوف فوق الجراح... كتباشير العيد... كضوء القمر... كصحن طائر... وتلقي علينا أشعة ومناشير... وتعلمنا كيف تتحول... نبضات القلب... وفلذات الكبد... ونظرات العيون... وهمسات الشفاه... ورائحة العرق... وأنامل اليدين... الى حجر يبني التاريخ... ويلاحق الجلاد...
سبعة وستون عاماً... وأنت تطوف في الجليل... وحول الجليل... وفوق الجليل... وتغني لأطفال الناصرة... لحن القيامة... وتزرع الأمل في مواليد المخيم... وتبارك الأرض في حيفا ويافا والخليل... وتلعن أولاد الأفاعي ولصوص التاريخ... والآن تطل وتعلن... ولادتك الثانية... واكتمال الرسالة... وموعد القفز فوق النجوم... لا أدري... أنحو حياة أو نحو عدم... ولكن الأكيد... أنك تقفز عظيماً في السماء... حيث لا منفى ولا جلاد.