فيلسوف.. ولكن في الظلّ - رثاء مؤجّل للمعلم الكبير ندرة ش. يازجي

د. شفيق يازجي قرأها 6
 

فيلسوف.. ولكن في الظلّ

رثاء مؤجّل للمعلم الكبير ندرة ش. يازجي

د. شفيق يازجي

عندما تقرأه فكما أفلاطون... وكما ابن رشد... وكما ابن خلدون... وعندما تسمعه تبحر كماجلاّن في بحار المعرفة لاكتشاف العالم الجديد... أما عندما تلقاه فتتمنى لو يقف الزمن لئلا تفارقه... له كتب كثيرة في العلوم الانسانية ومن أوائلها رسائل في حضارة البؤس لامس فيه منذ خمسينيات القرن الماضي بؤس الانسان في حضارة الزيف. وفي كتابه الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وصف نشوء الملكية والتوزيع غير العادل للانتاج ودعا للرفق بهذا المخلوق الأعزل أمام جبروت الاستغلال... وتتالت الأعمال حتى الكاملة بسيرة مترقية تبحث: في العمق... جوهرهذا الكائن الذي يسمى الانسان. وفي الأفق... امتداده نحو الآخر... وعمودياً... علاقته مع الكون... عمل لما ينيف عن الستين عاماً في حقول التعليم والترجمة والحوار والمحاضرات ولم تزده الأيام سوى قوة حجة وحكمة... يستمع كالتلميذ النجيب... ويشرح أفكاره بوضوح وسلاسة مثل سقراط... لا تفصله حدود عن مؤمن أو علماني أو ملحد... فهو يبحث عن التقاطع معهم.. كما تتقاطع المجموعات في علوم الرياضيات وتكُّون العناصر المشتركة... فالعنصر المشترك بينه وبينهم هو الكائن البشري... نظر الى الانسان ككائن بائس معذب عليه أن يحمل صليبه كسيد الجلجلة... وأن يتأمل الحكمة الموجودة في قلبه والخيط الرفيع الذي يشده نحو الكمال... فكلمة الله هي الحياة وليست الموت... والشر لايوجد الا عندما ينتفي فعل الخير... والظلمة لا تكون الا في غياب النور... رفض الثورة بمفهومها العنيف... وكغاندي آمن بالتغيير الهادىء... وبقوة الكلمة والمعرفة العلمية والفلسفية لتأسيس مجتمع العدالة...

موسوعي درس كافة المدارس الفكرية والعقائدية... من سقراط الى تيارده شاردان... ومن اليهودية الى المسيحية فالإسلام... من الجاهلية وحتى التاريخ الحديث مروراً بمدارس المعتزلة والصوفية والقرامطة... ومن الكونفوشوسية والبوذية الى الزرادشتية والصابئة... ومن زهير بن أبي سلمى وابن المقفع الى المعري وابن عربي... قرأ وترجم وكتب بالعربية والانكليزية والفرنسية... صامت دون ملل... مرح وسريع البديهة دون تكلف... مؤمن دون تعصب... محدّث دون إسهاب... أنيق دون تظاهر... اجتماعي دون إسراف... فيه عمق العالم... وبساطة الصوفي... وتهذيب المثقف... تمايز عن العلماء... بأن المعرفة عنده لا تقتصر على العلوم التجريبية... بل لابد من حكمة الفلسفة لفهم الكون والإنسان... وتمايز عن رجال الدين... بأن رفض مفهوم السلطة الدينية... ولا مكان عنده للوساطة بين المخلوق والخالق... لم يؤمن بالجبرية... لأنها لا تتوافق مع مفهوم الحرية... وما تمرد الإنسان على خالقه الا بسبب الاستغلال والمصالح التي تنافي العدالة الإلهية وصوت الضمير... العلاقة عنده بين الإنسان والمقدّس أقرب الى علاقة الإبن بأبيه... وهي علاقة نقدية... تنتفي فيها العبودية... وتهدف الى تحقيق الغاية المثلى... والعالم محكوم بقوانين على رأسها قانون القوانين...

فاليك... أيها الرجل الذي جمع ثقافات الدنيا في شخصه...

أيها الثائر باللاعنف... ومعلم أصول الحوار والتربية...

يا من جعل من قلمه سيفاً مسنوناً...

ومن عينيه شموعاً أذابتها شعلة المعرفة... ومن حياته قرباناً على مذابح الظلمات...

نقول... الى اللقاء.

Ch.yazigi@yahoo.com