الشمس... التي لن تغيب
الشمس... التي لن تغيب
د. شفيق يازجي
الاهداء: الى... دريد يازجي ابن الأستاذحليم... وريث الشمس
وقف ذات صباح الأستاذ الكبير حليم التوفيق على الدرجة الثانية أو الثالثة من الأعلى، على ذلك الدرج الذي يصل أرض الديار بالطابق الثاني من المنزل الذي كان يعرف آنذاك ببيت ((عفيف النعمة)) وكان مستأجراً لصالح ثانوية مرمريتا الرسمية التي كانت وقتئذ تتوزع على ثلاثة أماكن، أولها المنزل المذكور وفيه إدارة الثانوية، وثانيها بناء القديس بطرس الذي أشيد في زمن الأب الجليل عطية نهري، وثالثها وكان مخصصا للبنات ويقع في الغرف الخلفية لبيت السيد عبدو الديب... وقف الأستاذ حليم تلك الوقفة البهية (وكان مديراً للثانوية لمدة خمس سنوات) في عيد الثامن من آذار أواخر الستينيات أوائل السبعينيات، وكان الربيع قد بدأ يفتّح كل مظاهر الحياة بما فيها براعم قلوبنا، وكنا قد تراصفنا وتراتبنا في ساحة الثانوية وبدونا كالرجال الصغار وكالأمل الواعد... واصطفّ على شرفة ذلك المنزل أساتذتنا الكبار من أمثال الأستاذ عيسى النادر ذلك المعلم القدير الجريء المهيوب الذي كان يشرح دروس الجغرافيا ويرسم البلدان والمدن والبحار والمحيطات برشاقة فنان، فيضع العالم بين أيدينا ويجعله سهل الانسياب الى ذاكرتنا، وكان عندما يحدثنا عن التاريخ يبدو كأحد أبطاله الرائعين فنحبهم ونحبه أكثر... والى جانبه كان يقف الأستاذ الوسيم كبير مدرسي الرياضيات وعبقريها جرجس أبو عفش، الذي كان يدرسنا هذه المادة بأسلوب بديع يدخل القلب والعقل، وكان يضبط تحركاتنا بالنظرة والهمسة، وينقلنا بتسلسل منطقي الى الفكر العلمي والى مقاربة المفاهيم الكبرى كالمادة واللانهاية، وكان حقاً مدرسة كبرى في الخلق والابداع... وعلى مقربة وقف الأستاذ المحبوب وليم يازجي، وكان وسيماً أنيقا قليل الكلام يجيب باختصار وكثافة عندما يسأل فقط، وقد درسنا مادة اللغة العربية ولم يكن مرجعيتنا اللغوية فحسب، وانما كنا نتعلم من صمته ومن أفكاره المتدحرجة بين كلماته الكثير من المنطق والأسلوب الناجح في الربط بين النتائج والأسباب، كان صديقاً لنا ومؤثراً بنا وفاعلاً في بنائنا، دون تجاوز لحدود الاحترام التي لا بد منها في العملية الربوية... والى جانبه كان يقف الأستاذ سليم بيطار ذو القامة النحيلة والابتسامة التي لاتفارق وجهه، فقد كان يدرسنا اللغة العربية أيضاً، وكانت دروسه جميلة كابتسامته، تفوح فيها رائحة الكلان من غليونه، وكان متقنا ليس للغة العربية فحسب وانما لأطرف ما فيها من قصص الشعراء والأدباء ومنابر الظرفاء وسريعي البديهة، وكان درسه من الدروس التي يحزنك قرع الجرس معلنا انتهاءها، وهل هناك أجمل من امتزاج حديث أدبي شيق مع ابتسامة تتناثر حولها ضبابة من دخان الكلان المعطر... وفي الجوار وقف ابراهيم الجبرا أستاذ مادة الديانة وكان مدرساً تقليدياً يلتزم نص الكتاب المدرسي، وكانت تكثر في حصصه وفي مثل أعمارنا التساؤلات عن الوجود والمصير والسلوك وكان الطلبة يطرحونها بأسلوب لايخلو من الغمز والشك والمشاكسة، مما يضطره أحيانا لحسم الحوار بالنهي والزجر والتهديد والوعيد، وكان يصفنا أحيانا بالشياطين، ولكنه كان يحبنا كملائكة، وكان يتجنب التفاصيل الدينية التي توصل الى التعصب ويوجهنا الى الإيمان ولكن في ظل الوطن، وأذكر أنه رفض مرة مناقشة حول إنجيل برنابا لأنه اعتبرها تهدف الى اثارة الطائفية البغيضة، وكان يجنبنا الإلحاد وليس مبادىء التفكير العلمي لأنه كان يخشى على أبنائه من اختلال الضوابط الاجتماعية التي تشكلها العادات والتقاليد والثقافة والتي يعتبر الدين أحد مكوناتها... وفي ذلك الصف كان يقف الأستاذ القدير سليم الزودة مدرس مادة اللغة الانكليزية المميز... بطلته المهيبة وقامته وشخصيته الجذابة التي تكاد تظنها من أصول انكليزية... وكان متمكنا من مادته مثقف هادىء رصين جدي مقلٍّ في الكلام كثير العطاء محظوظٌ من تتلمذ على يده... والى جانبهم كان يقف لفيف من المدرسين الأجلاء بعضهم من قريتنا وبعضهم الآخر من قرى الوادي والمحافظات... وكنت أقف في الرتل الى جانب زملائي... الذين جمعتهم الثانوية من مختلف قرى الوادي... وأتأمل ذلك الرعيل من المدرسين القدوة متمنياً أن أصبح يوما كأحدهم... كنت أنظر اليهم بعينين أسمح لهما بالحركة في محجريهما فقط... وكنت أنتصب كجندي على قبر نابوليون... فقد يراني الأستاذ حليم من خلف نظارته السوداء... يجب أن أبدو بالصورة الأحسن لأبقى عند حسن ظنه... فقد أثنى علي مراراً ووصفني ب((كتله من الأخلاق)).. يا إلهي ما كان أثقل هذه المسؤولية التي علقها على عنقي... فكم يجب أن أجتهد وكيف يجب أن أسلك لأحقق أمنية مديري... فقد كنت أخشاه وكنت شديد التأثر بشخصيته المبهرة وبتفكيره العلمي... و كان أهم من زرع بي مبادىء هذا الفكر... والآن هو أمامي يخطب بعد أن قدّمه موجه الثانوية الأستاذ خيرو كرم بعبارات تليق به... انه يقف على الدرجة الثانية أوالثالثة من ذلك الدرج الذي آل مع الأيام للسيد عيسى بشارة... وتتدفق من فمه أحلى العبارات ليلقيها علينا كالأرز وكالورد... لعلها تثمر جيلاً أفضل... تحدث عن القومية... وعن الاشتراكية... وكانت تقاطعه تصفيقات أيادينا الغضّة وأصوات حناجرنا المتحمّسة ترافقها تعابير وجوهنا التي كانت تنضح بالحبور والتفاؤل... وفي ختام كلمته نظر الى الأعلى برأسه الشامخ... فغابت طيات شعره الجميلة الى الخلف وأصبح وجهه أكثر وضوحاً... وأشار بسبابته الى الشمس وكانت آذارية لطيفة... وخاطبها قائلاً: ((شمس العروبة إن تطيقي الذل بعد اليوم غيبي)) وأردف بصوته الرجولي الأجش: ((يعني روحي ما بدنا ياكِ)) ثم نظر الينا ولوح بقبضة يده وتابع: ((سنصنع من أيدينا شمساً لن تغيبا...)).
فيا أساتذتي الكرام يا أصحاب الفضل في تربية جيلنا... أيها المحبون أكثر من الحب ذاته... مازلنا ننظر الى الأعلى كما علمتمونا ونترقب ((شمساً لن تغيبا)) وعَدَنا بها مديرنا ذات يوم...

لقطة من بلدة مرمريتا بعدسة ميساء سلامة - وولف