ذاكرتنا تستعِدُّ للرحيل
ذاكرتنا تستعِدُّ للرحيل
سُوزان ضَـوّ
ها أمي تستعد للرحيل.
تُقْفِلُ حقائب عمرها على ذكريات أعمارنا، تحمل من ذكرياتنا ما بقي في ذاكرتها، تُوْصِدُ باب أسئلة تستدرج العمر إلى ماضٍ عتيق، تغمض عينيها وفي قرارة نفسها استسلام هادئ لرياح الرحيل العاصفة خلف شبابيك الشيخوخة، وتستعد للرحيل.
َنسْتَرِقُ من صحْوها ثواني هاربة، نقطف منها معلومات أخرى عن طفولةٍ لنا لا يذكرها إلا هي. تصمت. تخاف تنسى تفاصيل. نُطَمْئِنُها أنْ لا بأس، فلتخبر ما تتذكر من أيام، وحدها قادرة على استرجاع ساعاتٍ لنا بريئة لا نذكر منها شيئاً.
تصمت من جديد. تُقفل عينيها على ألم أوجع ما فيه أنها لا تقوى على إخفائه. تضمّ يديها، ثم تفتحهما، كأنّها تحرّر الذكريات من قبضتَيْها، تستعيدنا الواحد تلوَ الآخر بكل ّ شقاوة طفولتنا.
يهاجمنا الصمت كأننا عدو. نُخفي ألم اشتياقنا إلى لحظات صحو قديمة رافقت طفولتنا. نتربّع على عرش الذكريات. نطلب المزيد:
- بعد.. بعد. أخبرينا بعد. سامِحي أنانيتنا. أغفري لآذاننا جهلها ما مضى. نحاول التعويض. فتحنا حقائبنا جميعاً. أسكبي فيها ذكرياتك عنّا ومعنا. رتّبي يومياتنا كما كنت ترتّبين غرفنا والألعاب. أعيدينا إلى أحضانك صغاراً نهرب من "كلب الجيران". خبئينا داخل ثوبك الجميل. وُحُوش العالم تسكن اليوم في حيّنا، والجيران تغّربوا. تبدّلوا. غابت تلك الختيارة التي كانت تزقمنا لوزاً وكستناء مشوية. نضبت عين الماء. الأباريق انكسرت وغابت الصبايا.
تغيّر العالم يا أمي، لا نريد الاحتفاظ بذكريات عن حاضرنا البشع ولا عن مستقبلنا المجهول. استرجعي جميع اللحظات العتيقة. انفضي عنها الغبار وأعيدينا إليها أو... أو فاحمليها إلينا.
آهِ يا أنتِ،
يا ذاكرتنا،
يا لهفة قلوبنا إلى الذكريات جميعها،
إبقي بعد.