البنـّـاؤون... وهيكل بطرس

د. شفيق يازجي قرأها 4
 

البنـّـاؤون... وهيكل بطرس

(بطاقة تحية الى رهبان وراهبات دير القديسبطرس في مرمريتا ...)

د. شفيق يازجي

في البدء... كانت الأرض قفراء موحشة... وكانت روح الله مثل حمامة... تطير من سفح الجبل الى قمة السايح... وكان كل شيء في قريتنا يوحي بالطمأنينة والتسليم للاله الواحد والهيكل الواحد... وفي يوم من الأيام... شاهد الرواة نجمة تسقط من السماء على ذلك السفح واختلفوا في تفسيرها... فمنهم من قال: انها (فأل خير) ومنهم من اعتقد أن موتاً قريباً سيحدث... ولكن البنائين من أهل القرية وبخبرتهم في مطالعة السماء قالوا... انها إشارة من الأعلى تدلّ أن بناءً عظيماً سيشاد في هذا الموقع بمباركة سماوية... ولم يمض زمن طويل حتى تحققت رؤيا البنائين السماوية... ووصلت طلائع الإغاثة وفرق الفرسان من الرهبان والراهبات... وأشاد البناؤون بأنفسهم البناء العظيم (لدير القديس بطرس)... فرحين بعودة بطرس الى روابيهم بعد أن غاب آلافاً من السنين في غياهب روما ومدارج السماء... والآن أتموا البناء... بمباركة الهية... على الأقل كما اعتقدوا... سرّ بطرس بهذا الصرح... كما ظن البناؤون الفنانون أصحاب الرؤية وصنعوا له أقواساً حجرية ونحوتاً معمارية ورسوماً جدارية رائعة... لكي يظهروا حسن استقبالهم وعراقة فنهم... وعطش أفئدتهم الى التغيير والتمرد... على الأرض القفراء الموحشة... التي امتصّت عرقهم وهم أحياء قبل أن تهضمهم وهم أموات...

عاد بطرس بعد زمن طويل من الغياب... ربما قضاه كما ظن البناؤون على الدرب من روما المقدسة... الى جبل السايح المقدس... وعندما وصل لم يكن كما ذهب... عجوزاً مبشراً... خشن الشعر... طويل الذقن... أسمر السحنة... سيفه في غمده... وريشته في يده... ينكر معلمه في أوقات الشدة... ويحسن القتال دفاعاً عنه ان لزم الأمر... يجيد الصيد... والحرب... والحب... بل عاد على أجنحة النجمة التي سقطت على سفح السايح... في منتصف العمر... خرنوبي الشعر... سحنته تتراوح بين كنعاني من أرض فلسطين وفارس من فرسان روما... لا يحمل سيفاً... لعله أثلمه في طرقه الشائكة... أو ألقاه عندما ركب أنوار النجمة الهابطة الى سفح السايح... أو لعله نفذ أوامر المعلم فجعل سيفه في غمده الى أن صدىء فاستغنى عنه الى الأبد.. ولأنه يعشق السماء عاد كالنسر ليبني أديرته ومرابض فرسه فوق القمم لتكون قريبة منها.. وقد تسارر بعض البنائين... بأنهم رؤوه يحمل ما يشبه الحقيبة وفسروها بأنها ترمز الى خبايا العلم... أو تحوي هدايا العيد... أو أسرار المستقبل...

كانت تنتاب البنائين أحاسيس فرح تشبه ما يشعر به المنتصرون... لقد أتموا بناء الهيكل وفتحت المدرسة أبوابها وتقاطر اليها أصدقاء بطرس... وأبناء الفقراء للنهل من ثقافة صرحهم المعجزة... ورأى الجيل الجديد لأول مرة كيف يمكن أن يكون هناك مزاران متجاوران لبطرس... الأول قديم والآخر حديث... وكيف يمكن أن تتعدد الهياكل... ويتجاذب أصحابها حبل الحقيقة وتبقى القرية مكانها وتزدهر.

لقد أتم البناؤون الهيكل والمدرسة والمسرح وقاعة السينما ونادي الكشاف وقاعات الحرف اليدوية... بجهودهم الجبارة. وأفادتهم خبرتهم... التي اكتسبوها من مقالع الحجارة التي أحنت ظهورهم قبل أوانها... ومن ترصد النجوم والغيوم والريح وماتخبئه لليوم التالي... في تفسير رسائل السماء...

فرح البناؤون عندما أصبح بطرس صديق الصيادين ورأس المقاتلين وفصيح المحاورين وطبيب المرضى... جارهم وحارس أولادهم في رحلاتهم الكشفية ومهنهم ومعينهم في حقول الزيتون ومصاطب الجبال وفي نقل الماء من أعين الوديان وفي تخفيف أوجاعهم... قوى بطرس ليس فقط إيمانهم بل موقعهم الاجتماعي ومكانتهم المحترمة بين أهل قريتهم... فمنهم من ترهبن ومنهم من هاجر نحو الأفضل ومنهم من امتهن عملاً يحميه من شر الفقر ومن انحناءة الظهر المبكرة... وكانوا يظنون أن سرّ بطرس وقدرته على العطاء يكمنان في تلك الحقيبة التي لم يعرف محتوياتها أحد: فشكّوا أنها تحوي أقلاماً للعلم... وخططاً للمستقبل الأفضل... ومنهم من تحدث عن أشياء نورانية... أو عن شيفرة كشيفرة دافنشي... أو عن أسرار النجوم كنجمة الميلاد أو نجمة داوود أو نجمة السايح... وكثيراً ماتحاجج أهل القرية وحنوا الى الماضي: الى أيام الهيكل الواحد... والعيد الواحد... والشعنينة الواحدة... والذقون المهيبة الموحدة...

الا أن البنائين الذين اعتادوا على متابعة ألوان السماء المتعددة... وعلى مراقبة الورود المتنوعة التي كانت تصادفهم في أصبحة وأماسي الربيع والخريف وأثناء رحلات الذهاب والإياب الى ورشات البناء... لم يكن يزعجهم تعدد الهياكل والأعياد... بل رؤوا فيها ميلادهم الروحي الجديد... هذا ومازال أهل القرية ومن بقي من شهود البنائين يعتزون بإنجازات ديرهم ورهبانه وبما قدموه لهم من علم وشهرة وثقافة.

 Ch.yazigi@yahoo.com