ميسلون في ذاكرة الشعب والوطن

زينب نبًّوه قرأها 7
  

ميسلون في ذاكرة الشعب والوطن

زينب نبّوه

تختزن ذاكرة الشعوب والأمم الأحداث الهامة في حياتها، ومعركة ميسلون لم تكن حدثاً وطنياً عادياً عابراً، بل كان يوماً مشهوداً يمثل دلالات وطنية عميقة أسست لطبيعة النضال الذي فُرض على الشعب السوري. ومثلت الحد الفاصل بين عهدين، العهد الوطني وما يحمله من إرهاصات أولية لجذور الوعي، وعهد الاستعمار والانتداب الفرنسي الذي بدأ يدب في بلاد الشام خاصة في سورية ولبنان.

بعد تلقي الحكومة السورية آنذاك إنذار غورو الشهير، ومواقفة الملك فيصل على ذلك، والذي تضمن في أهم بنوده قبول الانتداب وحل الجيش الوطني، رفض البطل يوسف العظمة إنذار غورو، فجمع ما تبقى من الجيش مع مئات المتطوعين والمتطوعات الذين اختاروا القرار ذاته واتجهوا لمقاومة القوات الغازية الفرنسية الزاحفة باتجاه دمشق، وحدثت مقاومة ضارية في ميسلون أسفرت عن استشهاد البطل يوسف العظمة وزير الحربية آنذاك، وعدد كبير من المقاتلين الذين خاضوا إلى جانبه المعركة بعد أن سطروا أروع ملاحم البطولة، ولم تمر قوات الاحتلال إلا على أجسادهم.

ومثلت معركة ميسلون رداً نضالياً وطنياً على أطماع الغزاة الفرنسيين غير المحدودة في سورية، وتسخير طاقات شعبها المادية والبشرية لمصالحهم.

لقد أدرك يوسف العظمة بحسه الوطني أهمية هذه المعركة وطنياً رغم علمه بمدى الاختلال الكبير في موازين القوى العسكرية بين الطرفين من حيث العدد والعتاد. والسؤال الذي يُطرَح: إذا كانت نتيجة المعركة غير المتكافئة معروفة سلفاً، فأي جدوى في خوضها؟!

كان يوسف العظمة يرى أن المهمة الأساسية للجيش هي الدفاع عن الوطن وأن المعارك لا تقاس بنتائجها العسكرية المباشرة من انتصار أو خسارة، بل ببعدها الثوري والنضالي ونتائجها على المدى البعيد. وكانت معركة ميسلون الجذوة التي أشعلت الثورات الوطنية المتلاحقة التي شهدتها البلاد والأرياف والجبال والبوادي السورية. وكانت فاتحة للثورة السورية الكبرى عام 1925 لتشكل ذروة المعارك والانتفاضات والعصيانات المدنية. وقد شارك في الثورة السورية الكثير ممن نجوا من معركة ميسلون وممن تأثروا بها، وكذلك في المعارك اللاحقة متميزين بمستوى رفيع جداً من الوعي والمسؤولية والتضحية.

كان يوسف العظمة يمتلك مستوى رفيعاً من الوعي والشجاعة، وحمل مسؤولية القرار التاريخي في أول صدام مع قوات الاحتلال الفرنسي وإصراره على خوض المعركة والوقوف بوجه القوات الغازية. ويعدّ قراره هذا قراراً وطنياً تاريخياً حدد أسلوب المواجهة الفاعلة وطبيعة النضال المحتم خوضه.

لقد دق يوسف العظمة إسفين الخطر في 24 تموز في عام 1920 في نعش الاستعمار الفرنسي، الذي رحل في 17 نيسان1946 . والتاريخ يسجل له سبقاً يكاد يرقى إلى الأسطورة.
والجانب الأهم لقيمة ملحمة ميسلون هي الدروس والعبر التي حملها للأجيال العربية، وهي تواجه اليوم ذات الظروف التي واجهها جيل ميسلون، فالتاريخ يعيد نفسه إذ تتبدل الأشكال والوسائل وتبقى الأهداف والأطماع ويستمر النضال ضد التدخل الاستعماري وضد التحالف الإمبريالي الصهيوني.
لقد كانت معركة ميسلون تمرداً على مخططات المستعمرين متخطية منطق القوة والضعف، إلى قوة الحق ومواجهة الباطل.

سبتقى ذكرى ميسلون شعلة تضيء قلوب الجماهير وتبعث الأمل في النفوس، وتؤكد القدرة على تجاوز الصعوبات ومواجهة التحديات.

ولكي تبقى الذاكرة الوطنية حية في أذهان الأجيال الجديدة، ومن أجل تجسيد تاريخ سورية المضيء، نطرح التساؤلات التالية:

1.    ماذا جرى بشأن بيت يوسف العظمة في حي المهاجرين؟ كان منزل الشهيد آيلاً للهدم قبل سنوات، لولا الصرخة والجهود الكبيرة التي بذلتها د. ناديا خوست مشكورة وبعض الأوساط الوطنية، بالكتابة أو بمراجعة المسؤولين لوقف الهدم الذي تعرض له بيت يوسف العظمة عدة مرات. وقد أشارت د. ناديا خوست إلى: “أنه لا يجوز هدم منزل يوسف العظمة، فذلك المنزل صفحة ينبغي أنتبرز لا أن تُطوى من تاريخ سورية الحديث والمعاصر".

وقد استجابت الجهات المسؤولة وأُنقذ المنزل من الهدم، وتحول بعد ترميمه إلى “متحف يوسف العظمة” كما تشير اللوحة المثبتة على بابه.

وقد أعلن فور ترميمه أن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية، تحث من يملك أي أثر من معركة ميسلون أن يتقدم إلى لجنة الإشراف التي تتولى تحويل منزل الشهيد يوسف العظمة إلى متحف. ونحن حتى الآن لا نستطيع أن نجزم بتوقيت استخدامه كمتحف، فهو حتى الآن شبه خالٍ، ولم تبذل جهود كافية لتجهيزه، ولهذا نتوجه إلى المسؤولين وإلى جماهير شعبنا، وإلى عائلة البطل يوسف العظمة، للمساعدة في جمع الأشياء المتعلقة بالبطل وبمعركة ميسلون، وكنا نتمنى لو تم ذلك في ذكرى المعركة هذا العام.

2.    وكذلك الحديقة الوطنية المقترحة أيضاً منذ سنوات في مكان المعركة في ميسلون، وتثبيت لوحة رخامية تحمل أسماء من شاركوا واستشهدوا في المعركة، والإعلان عن بيوت رجال ميسلون على لوحات يقرؤها العابرون، وتزين مقابرنا بأسماء شهدائنا في ميسلون والثورة السورية ومعارك الاستقلال.. إلخ، كي تبقى الذاكرة الوطنية حية في الأجيال الجديدة تعيدها إلى أمكنة تجسد تاريخها المضيء

3.     وأخيراً لابد من التوجه إلى المؤسسة العامة للسينما بالسؤال التالي:

كان في خطة المؤسسة العامة للسينما عام ،1997 كما نشرت في حينه صحيفة “تشرين” 17/4/1997 إنجاز فيلم عن معركة ميسلون، وكانت تسعى “أي المؤسسة” للحصول على الوثائق التي تخدم العمل، وكما فهمنا في حينه أيضاً أن سيناريو فيلم “ميسلون” كان قيد الإنجاز بمستوى المعركة العظيمة، معركة التضحية من أجل الوطن، وهذا يعني إضافة جديدة إلى السينما السورية.. فأين أصبح هذا المشروع؟

Youssef%20Al%20Azmah.jpg