مانوئيلا... وموسم الهجرة الى الشمال

د. شفيق يازجي قرأها 8
 

مانوئيلا... وموسم الهجرة الى الشمال

 

د. شفيق يازجي

على أنوار زيتك يا د. مفيد..سنلحن وسوزان نشيد الزمن الآتي... ونزرع وندرة التوت لمواسم الحريرالقادمة... ونذكر وأصدقاء جماليا جميعاً... ايريس دائماً...

عندما حياها لأول مرة... انتابه إحساس غريب لم يستطع أن يفسره في حينه... ظنه الإعجاب... كانت مانوئيلا بيضاء نقية كثلوج القطب الشمالي... عيناها زرقاوان بلا قرار كلون السماء عندما تفرج عنها الغيوم الناصعة... شعرها خرنوبي يتدلّى بخفة ورشاقة على مساند كتفيها راسماً أقواساً وأمواجاً وعقارب تتمايل مع حركات وجهها لتكمل المعاني عندما تنطق أو تبتسم أو تغمز... وكانت أصابعها كشموع العيد يلون نهاياتها طلاء زهري مبيض يجعلها تبدو مع الحركة كألسنة لهب مسّتها نسمات ناعمة... ردت عروس الشمال التحية.. دون أن يسمع كلمة واحدة مما نبست به شفتاها... ولكنه كشرقي يحمل إرثه من الكبرياء والفراسة... تصنع اللامبالاة... بعد أن لمح الابتسامة التي علت شفتيها... وحركة رأسها المغناج... وتمايلات خصلات شعرها المتكسرة كالأمواج على جوانب رأسها... وتابع صعوده الدرج... محاولاً أن يخفي اضطرابه وأن يحافظ على توازنه ورباطة جأشه أمامها...

دخل مسكنه الكائن فوق مسكنها... ولكن صورتها لم تعد تفارق مخيلته... وأصبح يفرح في كل مرة يصادفها على الدرج أكثر من سابقتها... وبدأ يشتاقها... وتكررت لقاءات الدرج... وأخذت التحيّات المتبادلة تتحول الى وقفات قصيرة... والابتسامات صارت أكثر حميمية... وأضحت الكلمات مفهومة... وخفقات القلب أقل ارتعاشاً... وتغلبت لغة العيون السماوية... وخصلات الشعر الحريرية... والأنامل المخملية... على حجاب التردد وجدارالخوف... وأصبحت ابنة الشمال صديقة لابن الجنوب...

كانت مانوئيلا قوية كملكة... حنونة كأم... بريئة الابتسامة كطفل... طباعها مرنة ندية كخضرة أشجار تلك البلاد... وكان الحب بالنسبة اليها أجمل ما وهبنا إياه الله... ولكنها كانت حذرة أمام تجربتها الجديدة... ربما لأنها أمام إنسان مجهول تكثر فيه الاحتمالات... أو ربما بسبب الخوف من معاناة الشوق والفراق التي قد يسببها لها ذلك الغريب... وكانت تحس يوماً بعد يوم أن يداً خفية تدفعها نحوه... دون أن تدري أنها يد القدر... تلك التي جعلتها تلقاه وتفرح بمشاهدته... وتضحك من الأعماق لنكاته وللكنته الأجنبية...

شعرت نجمة القطب وكأن قوة ما تشدها نحوه كما تشد دوامات الماء غريقها... وأن جسدها تمغنط وبوصلتها بدأت تشير الى الجنوب الى حيث منابع الفكر وقبور أنبياء الله... وأكثر من هذا فقد أحست أنها تتبخر نحو الأعلى الى الطابق المجاور وأن روحها أصبحت تسكن فيه قبل جسدها.. وظنت أن حبيبها ملك مثل شهريار وبحبه تحولت هي الى شهرزاد... فكانت تجلس الى جانبه وتروي له القصص وعندما تلاحظ أنه لم يعد يسمعها... تقبله بحرارة وكأنها تتذوق ملح الأرض التي أتى منها والتي أصبحت بالنسبة اليها أجمل البلاد... وتدثره جيداً وتتركه لينام مع الأحلام بانتظار ليلة أخرى وقصة جديدة... ومرت الأيام الجميلة كعادتها مسرعة... وكانت درة بحر الشمال تزداد حبا لشهريار... لشعر صدره الكثيف... لسمرة البحر الأبيض المتوسط على ساعديه... وللون الليل في عينيه... ذلك اللون الذي كانت تخافه كما تخاف عادات الشرق... وحروب الشرق... وأمراض الشرق... والآن أصبحت تخاف أن تفارقه... فهو لون حبيبها الذي لم تعرف مثله من قبل... فشهريار صاغها من جديد.. ورسمها من جديد... وسماها من جديد... وعاشت معه تروي الحكايات... وعاش معها يروي الغرائب... وكان بالنسبة اليها: مارد دخل قلبها دون استئذان... وجنيّ هارب من قصص ألف ليلة وليلة... وطبيب ماهر يشفيها عندما يرضى ويمرضها عندما يغضب... ولم تكن غاوية الشرق تفهم كل هذا ولكنها كانت مشدودة اليه بقوة القدر... وكانت تتمتع بحكايا آخر الليل وبرحلاتها معه عبر بلاد الجمال والعلم والطبيعة الساحرة وبين مواقع الآثار وسواحر الانجازات الحديثة... حتى انقضت ألف ليلة.... وبدأ يلتقط أنفاسه بعد مسيرة الجد الطويلة... فقد آن لسفينته أن ترفع أشرعتها وتتجه نحو الجنوب الى أرض الضاض، وسماء طائر الفينيق... فبدأ يجمع كتبه ويوثق شهاداته ويلملم ذكريات وطنه الثاني ليضمّد بها جراح الفراق متعاليا كالنسر عن الحزن... مؤمنا بأن الوطن هو وحده الوطن. وبدأت فتاة الأحلام تستعد للّيلة الواحدة بعد الألف... فوضبت حقائب فارسها... وارتدت أجمل حللها... وأوصلته الى المطار... وسط صمت رهيب خيم كالطيرعلى رؤوسهما... وفي المطار التقت عيناهما وطفرتا بسيل من الدموع... وتعانق الجسدان... دون كلمات ودون وعود... ودون أن يعلما أنه العناق الأخير... وكأن كل منهما لم يكن يصدق ما يجري... أو كأنه ينتظر أُعجوبة تغير مسار القدر... أو كأنه يردد في قلبه (يا أبتي.. أبعد عني هذا الكأس)... ولكن... الطائرة حلقت... ولم تستطع سليلة بيتهوفن واينيشتاين و فريدريك الثاني... بعد أن خذلها القدر أن تتحمل منظر غيابها في السماء الفسيحة... فسقطت أرضا وأسعفها أهل المطار الى أقرب مركز لتلقي الإسعافات الأولية... وبعد أشهر... وبعد أن جفّ حبر قلمها من الكتابة اليه... سمعت أن بطل قصتها غرق في مكان ما... لم تصدق الرواية... ولكنها حاولت جاهدة... ولكن دون أن تنسى موسم هجرة ذلك الجنوبي الى أرض الشمال.

Ch.yazigi@yahoo.com