نزيه أبو عفش... يدعونا الى المزيد من الخمر...

د. شفيق يازجي قرأها 6
 

نزيه أبو عفش... يدعونا الى المزيد من الخمر...

د. شفيق يازجي

نشر الشاعر الكبير نزيه أبو عفش قصيدة في ملحق الثورة الثقافي بتاريخ 13/5/2008 ... بعنوان "الأصحاب أو: اثنا عشر، عشرون، ثلاثون... وأكثر"...

أهم ما يقال في هذه القصيدة أنها... ثورية... جريئة... تستحق الوقوف والتأمل... وتدعو الى طرح التساؤلات... وقد اتسمت مولودة شاعرنا الأخيرة... بالكلمة الرقيقة التي تبدو كالعروس لا تخرج للعلن قبل أن تغتسل للمرة الألف... احتراما لقارئها...

يبدأ نزيه حديثه بتذكر الأسلاف... وأسلافه المقصودون هم... المسيح وتلامذته... ((من حق مريض أحلام مثلي أن يتذكر أسلافه بين حين وحين...))... فيؤنسن قديسيه ويتحدث عنهم كبشر مثلنا... يحبون ويكرهون ويشتهون ويخطئون ويتآمرون وأيضا يتألمون ويموتون... ولكنه سرعان ما يقلب الطاولة بكل ماعليها من معتقدات سائدة ظنناها لوقت طويل أنها حقائق ليرينا عكسها في رؤية جديدة... فالأحد عشر تلميذاً الذين كانوا مثالاً للطهارة... نشاهدهم بعد قلب الطاولة... مدّاحين وقتلة (( في حاجة الى جثة)).. فقد أحبوا المسيح كثيراً... ولكنهم دفعوه دفعاً الى الموت على الصليب ((أنت جميل الى درجة أنك ساعة ترفع على الصليب تغدو أكثر جمالاً من المسيح نفسه)) أما التلميذ الثاني عشر يهوذا فنشاهده ((أصدقهم وأشجعهم وأودهم...)) وان كان مبخوس الحظ تاريخياً... فهو الوحيد الذي حاول أن يجنب المعلم الموت المبكر ((لماذا تتعجل الموت أيها المعلم ؟!)) وعندما أقدم على فعلته الشنيعة وسلمه للعذاب والصلب كان جريئاً وشنق نفسه على أقرب شجرة ندماً.

قدم نزيه لنا قصيدته شعراً منثوراً.. فيجب النظر اليها كوحدة كلية وعدم الغوص في تفاصيل الأجزاء والاهتمام بالانطباعات التي تتركها قراءتها في النفس والروح وأهمها:

أولا ... إنها محاولة لوضع المقدس في الإطار النقدي وليس المطلق... فقد أخضع السائد منذ آلاف السنين لإرادة الفكر وحق الدارس برؤيتها من جديد بعد أن يفكك عناصرها ويعيد تركيبها... وهذا يذكرنا بالأفكار التي ساقتها بعض الكتب مثل ((المسيح ليس مسيحياً، عاش المسيح في الهند، شيفرة دافنشي...)).

ثانياً... -يتساءل الشاعر-: ماذا لورفض المسيح الموت ((ماذا لو أنه في لحظة فطنة مباغتة فكر في الآلام التي يسببها انغراس المسامير في اللحم وقرر ألا يموت... وماذا لو قال: أنا في حاجة الى المزيد من الخمر...)) فماذا سيكون موقف التلاميذ الأتباع؟؟. ويجيب على تساؤله ((طبعاً، سيلعنونه... كانوا))، لأنهم سيخسرون أحلامهم في المجد والأوسمة التي سيحصدونها من جراء الصلب... وستذوي شهواتهم بأن يصبحوا شهوداً ورسلاً للمسيح المصلوب... وسيعودون الى الشقاء... وصيد السمك.

والانطباع ماقبل الأخير... هو أن القصيدة جديرة بالقراءة الهادئة الحيادية البعيدة عن التعصب... دون الوقوف عند التفاصيل التي قد تسيء للفكرة... فالقصيدة رؤية أخرى لأحداث مهمة ننتسب اليها جميعاً... ومن حقّ مفكّر وشاعر كما أظن، بحجم نزيه أبو عفش أن يعرض رؤيته... وتساؤلاته... كما يشاء.

الانطباع الأخير: أود أن أتساءل، هل كان فعلاً المسيح وتلامذته هم المقصودين في القصيدة؟ وهل كان نزيه يريد فعلاً أن يقدم رؤية تجديدية للفكر الديني؟ أم ان المقصود أشياء أخرى رمزية؟

انني أميل لأن أقول: انها قصيدة سياسية فكرية بامتياز، يدعونا فيها الشاعر بعاطفة صادقة جياشة الى... ثقافة الحب والشفافية والحياة.. بدلاً عن ثقافة الألم والتآمر والصلب... نعم انه يدعونا الى ((المزيد من الخمر))... خمرة المعرفة... خمرة الحرية... خمرة الجمال...