لبنان.. فرحة وأمل

يعقوب كرُّو قرأها 6
  

لبنان.. فرحة وأمل

يعقوب كرُّو *

قرعت أجراس الفرحة والبهجة والأمل في ربوع لبنان وأرجائه كافة، لتزيح جانباً مشاعر القلق والمخاوف، وعمّت أجواء الارتياح في كل بقعة من أرض العرب مع الإعلان عن انتخاب العماد ميشيل سليمان رئيساً جديداً للجمهورية اللبنانية.

فالاتفاق الذي أرسيت ركائزه في الدوحة، برعاية عربية مسؤولة، قد أنجزَ المجلسُ النيابي اللبناني أول بند فيه بنجاح وسط احتضان عربي غير مسبوق وحضور دولي لافت، لينتصر لبنان، الوطن والشعب، وينجح في إطفاء نيران الفتنة الطائفية والحرب الأهلية التي أريد إشعالها، ويشرع في العمل لوضع قطار الوحدة الوطنية على السكة الصحيحة.

ما جرى ليس حدثاً عادياً، وهو حافل بالدلالات، فهو يؤكد أنه يمكن حلّ أصعب العقد وإنجاز الكثير الكثير حين تُغلَّب المصالح الوطنية العليا على المصالح الفئوية، ناهيك بالطائفية المقيتة، وأن المكاشفة والمصارحة وتعبير الفرقاء عمّا يرونه من نقاط خلاف والسعي الجدي لإيجاد حلول تضمن الوحدة، هو الذي يقطع الطريق على كل من يريد التصيّد في الماء العكر. 

وهو يؤكد أيضاً أن الحكام والقادة العرب قادرون على الإسهام في حل كل ما يمكن أن يطرأ من خلافات داخل بلدانهم أو فيما بينها، إذا ما توافقوا وتصرفوا على نحو مستقل، وانطلقوا من مشاعر شعوبهم والمصالح العربية العليا.

وإضافة إلى ذلك يمكن القول إن ما تحقق في الدوحة وبُدئ في ترجمته على أرض لبنان، هو مؤشر على بدايةِ تشكُّلِ وضع إقليمي ودولي جديد يشير إلى أن هذه الإدارة الأمريكية البغيضة التي اعتمدت، منذ مجيئها، سياسة التوتير والحروب الاستباقية والفوضى الخلاقة لتحقيق أهدافها في الهيمنة، ومنها مشروعها الشرق أوسطي الجديد، والتي كان لها دورها الفاضح في تسعير الخلافات في لبنان.. إن هذه الإدارة لم تعد، وهي على وشك الرحيل، تتحكم تماماً بمجريات الأحداث. ويدل على ذلك ما بدأ يبرز من تطورات لا رغبة لها فيها أو هي خلاف رغبتها. وهذا ما ينبغي الاستفادة منه برأينا لتعزيز الأجواء الجديدة التي بدأت تسود في لبنان، ودفعها قدماً إلى أمام، وليكون ذلك نموذجاً يحتذى لوضع حد لحالة الانقسام الفلسطيني واستعادة وحدة الشعب الفلسطيني ومؤسساته.

ما تحقق حتى الآن في لبنان هو منطلق إيجابي هام يوحي بالتفاؤل، وينبغي العمل ليكون الأمر كذلك، ولتعزيزه بما يؤدي إلى طيِّ صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة يجري فيها سعي جدي من الجميع لتجاوز عقابيل الفترة الماضية وتداعياتها التي لا يجوز استصغارها والاستخفاف بما يمكن أن ينجم عنها، أو بقدرة القوى المعادية المترصدة على استغلالها. وما هو مطلوب هو التطلع إلى أمام واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لحماية لبنان وقراره الوطني المستقل وانتمائه العروبي وتعزيز لُحمته الوطنية وإعادة بناء مؤسساته على أساس الانتماء للوطن وليس للطوائف والمذاهب.

إن خطاب القسم، بما تضمنه من خطة وطنية شاملة ومتكاملة، استُقبلت بترحاب من سائر الفرقاء، وشخصية الرئيس ووطنيته العالية المشهود له بها، ورعايته للحوار الوطني المطلوب إطلاقه، إن ذلك كله يشكل ضمانة لمواصلة السير الناجح إلى أمام، ولكن من أجل أن يتحقق ذلك بنجاح لابد أن تعمل سائر القوى والأحزاب السياسية للتعاون والمساعدة في هذا المجال.

إن إعادة بناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية لتقوم بمهامها بما يعزز الوحدة الوطنية، إنما هو أمر بالغ الأهمية في هذه الظروف، ولكن من الضروري أن يترافق ذلك بتفاهم سياسي واسع عبر الحوار الوطني والتوافق أيضاً على مختلف القضايا التي تمس مصالح الناس والمجتمع.

وانطلاقاً من حرص كبير على استقرار البلد الشقيق وتقدمه وازدهاره، نرى أن لا يقتصر الحوار الوطني على ممثلي القوى السابقة في الموالاة والمعارضة، إذ سيكون مفيداً وضرورياً أن يشارك فيه ممثلو سائر القوى والأحزاب السياسية الموجودة على الأرض والمتجذرة في سائر أرجاء الوطن والمتحررة من جرثومة الطائفية والمناضلة ضدها، وكذلك من الشخصيات السياسية المعترف بها وطنياً.

لقد أكدت الحياة أن اعتماد الطائفية في بناء الدولة لا يمكن إلا أن يفرّخ الأزمات باستمرار، ولذلك فلابد من العمل الجدي والجريء للبدء بإعداد وصياغة قانون انتخابات عصري وديمقراطي يعزز روح المواطنة والانتماء إلى الوطن بدلاً من الانتماء إلى العائلة أو الطائفة. قانون يعتمد النسبية، ولو على نحو متدرج، مبتدئاً بالمحافظة وصولاً إلى اعتماد البلد بأسره كدائرة واحدة، فهذا من شأنه أن يبني مؤسسات دولة مدنية ديمقراطية حقاً.

·          رئيس تحرير صحيفة النور