عصر العولمة والحداثة
عصر العولمة والحداثة
دريد يازجي
كان مفهوم العولمة بالماضي أشبه بحلم طوباوي بدا لمعاصريه ضرباً من الجنون. ذلك المفهوم الذي طالما حلم مبدعيه بتحقيق نظام عالمي جديد تسوده العدالة والمساواة، السلام والأمان، لكنّه يبدو حلماً طوباوياً أكثر من اللزوم بعد أن تبنّته الولايات المتحدة الأمريكية بقطبها الواحد تحت شعار الحداثة والعلمانية. واذا ما نظرنا الى حالة الصراعات المتزايدة التي تمزق العالم اليوم والتي تقف وراءها حداثة الغرب المتسلط بنظامه الرأسمالي الليبرالي الداعم لفكرة التبعية والارتهان لهذا النظام، سنجد أنه بقي حلمهم بدولة كونية تشمل جميع شعوب الأرض بحكومة دولية تنفيذية وتشريعية وقضائية تتطبق قوانينها على جميع تلك الشعوب. ولكنها لن تنجح ومصيرها الفشل الا اذا كانت وفية للمبدأ الأساسي والذي قامت عليه، مبدأ مصالحة السياسة مع الأخلاق، وتجسيد حكم العدالة على وجه الأرض. لأننا اليوم دخلنا زماناً مختلفاً بثقافة عالمية شكلت الانسان الجديد حتى أصبحت معها رحلة البشر أشبه بحركة الموج في وجه السفن تخضع لقوانين غريبة، فأمست علاقات العائلة والجيران والصداقة والمواطنة وكل ما هو ثابت الى انحلال تحولت معه الى اعاقة أمام انسان العولمة الجديدة، فأصبح الفرق بين فقير العصور الغابرة وفقير العولمة, هو أن الثاني يستطيع أن يرى على شاشات التلفزيون مدى البطر والغنى الفاحش الذي تنعم به بعض شعوب الأرض، هذا في حين أن الأول لم يكن يرى شيئاً وبالتالي فلم يكن يشعر بالحرمان أو الاحباط كما يشعر فقراء اليوم. ففي عصرنا اليوم أصبح الفر وكأنه فضيحة لا تحتمل، واذا كان هناك عار على الحضارة الحديثة والعولمة لأنها تقوم على استغلال وجوع الجائعين في العالم الثالث، تتجاهلهم وتدير ظهرها لهم حتى أمست البشرية في خطر محدق، شمال غني مسيطر ومتحكم، وجنوب فقير يعاني الأمراض والنكبات تلو النكبات. وبالرغم من كل ذلك بات من المستحيل صدّ العولمة أو رفض الاندماج بنظامها الجديد المستحدث، ولكن وجب الأخذ منها بحكمة وقوة بما هو مفيد بارادة البقاء والمنافسة وليس كما يريدها ذوو الأفكار النازعة الى الشر والتسلط الأعمى.
doured123@gmail.com